ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية

ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية (http://www.ahlalloghah.com/index.php)
-   مُضطجَع أهل اللغة (http://www.ahlalloghah.com/forumdisplay.php?f=2)
-   -   هموم التوبة (http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?t=14094)

أبو أريج الهلالي 08-11-2017 02:15 PM

هموم التوبة
 
البسملة2 الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب و الصلاة والسلام على المعصوم من الذنب وعلى ساداتنا آله والصحب..
أما بعد فإن الله جل وعلا قد أمر عباده بتحقيق التوبة من الذنوب وبين أن الإخلال بها من أظلم الظلم وصاحبه في شقاوة دنيا وأخرى، وتظافرت نصوص الوحيين بالندب إلى التوبة وتبيان أهميتها، وأنها أسمى منازل الإيمان وألزمها للسائر إلى الله عز وجل؛ فطاب ليراعي خط ما تجود به القريحة الضنينة من نفحات وفتوحات تتعلق بضرورة حمل هم التوبة والإشفاق من لقيا الباري جل وعلا بقلب غافل ونفس مريضة بالآثام، فتحاملت على التكاسل عن الكتابة وهو داء ألم بي مذ هجرت مواقع التواصل، وكنت من زمن غير بعيد أتربص الدوائر بنفسي علي أجد منها نشاطا للكتابة فقدر الله اليوم .
التوبة أحبتي في الله هي منزلة تلي منزلة اليقظة إذ تكون النفس قبلُ غارقة في متاهات الشقاء وعلل الخطايا، ثم يأذن الله في سمائه أن يتوب على المذنب فتلوح له تباشير التوبة في الأفق ويحس بقشعريرة تسري في نفسه وألم يعتصر قلبه وتوقٍ إلى الانعتاق من سجن الضنك والران؛ كل ذلك يدفعه إلى محاسبة النفس والإفاقة من سبات الإثم ومواقعة الخطيئة؛ ومصداق ذلك قول التواب جلت قدرته وتعالى جده (( ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا)) فلا سبيل إلى التوبة ما لم يتبِ الله على العبد، فتحصل أن ثمَّ توبتان متلازمتان:
،،،التوبة للتوبة
،،،التوبة من الخطايا.
يتوب الله جل وعلا على من شاء ومن أحب ومن سلك أسباب القرب من الحضرة الربانية، وتبدأ الخطايا تَحاتُّ عن صاحبها وتتبخر، وكلما زاد الندم والإقبال على الطاعة زاد النور وصحا القلب وأبصر، ولا يزال يترقى ويرتقى وهو في ذلك كله يقارع داعي الهوى والشيطان ويلبي داعي الرحمن حتى يوارى الثرى قرير العين بالله مغتبطا بفتح التوبة..
هذه باختصار بعض معاني اليقظة والتوبة ولاريب أن بينهما مفاوز من المجاهدة والامتحانات لا يجتازها إلا من تسلح بالصدق واليقين وتبصر بنور الوحي قرآنا وسنة.
بقي الكلام على شطر من أهم موضوعات هذا المنشور وهو "هموم التوبة"والقصد بها أحبتي في الله: أن يحس العبد من قلبه بخوف شديد أن يلقى الله عز وجل بغير توبة نصوح وقلب سليم، وأن يشفق من الفضيحة يوم العرض الأكبر؛ هذه مسألة يفرط فيها كثير من عباد الله ولا أبرئ نفسي المسكينة والموفق من وفقه الباري ؛ فتراه بمجرد سلوك طريقة التدين والاستقامة يفرغ قلبه من حمل هم تصحيح التوبة، ويتعلق برسومها في الغالب دون تحقيق معانيها؛ فهذا وايم مجانب لما كان عليه الرعيل الأول من الخشية والإشفاق من سلب الإيمان ولقاء الله على غير ملة الإسلام وعلى غير توبة وأوبة تنفع عند الجواز على الصراط وتسلم الصحف.
ذكر الإمام الألمعي المؤرخ الكبير العالم الجليل محمد بن عثمان الذهبي رحمه الله أثرا جليلا يقف له الشعر وتقشعر له الجلود وتوجل منه القلوب عن مولانا أبي الدرداء رضي الله عنه قال ..عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرْثَدٍ ، قَالَ:" ذُكِرَ الدَّجَّالُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ : لَغَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ مِنِّي مِنَ الدَّجَّالِ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ أُسْلَبَ إِيمَانِي ، وَأَنَا لا أَشْعُرُ ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الْكِنْدِيَّةِ، وَهَلْ فِي الأَرْضِ مِئَةٌ يَتَخَوَّفُونَ مَا تَتَخَوَّفُ " . والشواهد كثيرة في هذا الباب وكلها تصب في معنى واحد وهو أن العبد المتحقق بالعبودية كما يريد الله لا يرتاح له بال ولا تهنأ له نفس حتى يضع قدمه في الجنة؛ هكذا كان حال أولئك الصادقين كانت هموم التوبة والثبات عليها تلازمهم في يقظتهم ومنامهم، في حلهم وترحالهم، فأفنوا الأعمار في تحقيقها ظامئين بالهواجر قائمين في دجى الليالي مسبلين لدموع الخوف والإخبات مبتهلين ابتهال المساكين باذلين للمهج في سبيل الله ورغم كل ذلك لسان حالهم والذين يوتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.رحم الله تلك القلوب المطمئنة بذكره المستظلة بظلال التوبة الصادقة واليقين الراسخ.
هذه بعض الخواطر في هذا الباب صادفت مني رغبة في الكتابة واستجابت لنداءٍ قلبيٍّ علها تكون سبب التذكير لنفسي أولا ثم لإخواني بهذا الأمر الجلل، ولي عودة إن شاء الله لطرق هذا الموضوع المهم في منشورات قادمة.
هذا وإنما الموفق من وفقه الله سبحانه والحمد لله رب العالمين..

أبو أريج الهلالي 13-11-2017 05:55 PM

تتمة هموم التوبة
 
من الأصول المجمع عليها بين أطباء القلوب وطلاب الولاية وأهل الله جل وعز وخاصته أن طالب التوبة منصرف الفكر إلى سرعة تقضي العمر ونهايته؛ فالعمر رأسمال العبد وذهبه الخالص، وما سمي عمرا إلا باعتباره يعــــمر بقربى أو ما يبعد من ســوء العمــــــــل.
لا تكاد تستقيم النفس على صالح العمل وتنوء عن سيئه إلا إذا دافع صاحبها الخواطر الشيطانية ، فالخواطر إذا دوفعت بأضدادها تلاشت وتبخرت وإذا استجيب لها توشك أن تقود إلى العزائم على اتباع الهوى؛ فخاطر الشهوة يدفع بالذكر باللسان والقلب وخاطر الشبهة يدفع بتدبر الوحيين، وخاطر الوسوسة يدفع بالاستعاذة بالله من شر كل ذي شـــــــــــــــر.
كل توبة لا تتأسس على إقبال شديد على كتاب الله عز وجل فهي واهية، إذ الوحي هو الروح والفرقان والنبراس.. والغفلة عن القرآن تطيل أمد غفلة القلب وتنقله في الأهواء والشهوات، ولا يرجى الخير من قلب لم يتعظ بآي الكتــــــــــــاب..
مثل مسوف التوبة كمثل عليل استبد به المرض فلا يزال في ضعف و علته في مضاعفة ولا حائل بينه وبين استعمل الدواء إلا خوف مراراته..ولو علم ما يأتي بعد المراراة تلك من الصحة والبرء لاستحال الدواء كالشهد في فيـــــــه..
بعد القرآن والتعرض لأنواره، لا أنفع للعبد الراغب في تصحيح التوبة من إصلاح ذات البين ، لأن فسادها يشغل القلب بالضغائن والإحن ، وكيف تصفو توبة لمن أبطن الحقد والحـــــــــسد ، وأصر على القطيعة وإسلام إخوانه وغدرهــــــــــــــم؟!
زيارة الصالحين من أعمدة الثبات على التوبة فالنظر في وجوههم يحيي القلب وسماع كلامهم يلي القلب من الميل إلى المعاصي وينقيه من أثرها، ويبغض إليه أخدان المعاصـــــــــــــي..
اللهم يا سامع كل نجوى ، يا كاشف الهموم والغموم ، يا تواب يا غافر الذنب نسألك توبة مقبولة تقر بها العين ويغفر بها الذنب وتتحق بها الزلفى منك يا ذا الجلال والإكــــــــــــــــــــرام..

أبو أريج الهلالي 14-11-2017 06:16 PM

من عقبات تحقيق التوبة
 
لازلت وأحبابي نعيش في ظلال التوبة الوارفة وفرح القلب بأنواره صحتها وتحققها وتلمح تباشير قبولها؛ وإني قبل ذلك قائل أنه غير خاف على أحبتي بأني خائض بحرا لست بأغواره خبيرا وليس فلكي للجته مطيقا، ومتعرض لموضوعة تحتاج إلى ابن القيم في مدارجه والهروي في منازله، وابن رجب في رسائله؛ لكن حسبي تذكرة نفسي العليلة بالذنب المقصرة في جنب الرب بأهمية هذا الأمر ولزوم إدامة شغل البال به..
وبعد البراءة من الحول والقوة إلا بالله والاعتصام بحبله المتين أتحدث عن عقبة من العقبات الشديدة ومانع من موانع صحة التوبة لا تكاد تستقيم قدم التئب على الطريق إلا بتعاهد النظر في أساب توقيه، إنه تعلق القلب بالدنيا ورسومها وزخارفها..
نبينا صلى الله عليه وسلم كما روي عنه في خبر جامع مانع قال : {حب الدنيا رأس كل خطيئة}.
يا سبحان الله!! أمهات الخطايا من كبر وتعال وحقد وضغينة ومقارفة شهوة ونشر شبهة وضلالة وغيرها من مغضبات الله جلت قدرته يأتي حب الدنيا الدنية على رأسها..وحب الدنيا هنا لا ينبغي أن يتبادر إلى الذهن بأن القصد به حب المال والجاه خاصة بل هو حب عام، فحب الولد والزوج الخارج عن حد الاعتدال المائل بالفطرة إلى الانسلاخ والانحلال ومزاحمة محاب الله في القلب هو من حب الدنيا المذموم؛ وحب المال والسرف في التعاطي لأسباب تحصيله وجمعه فرع من ذلك الرأس وقس على هذا كل ما يمد بسبب من أساب الصلة إلى هذه حب وإيثار هذه العاجلة..
إن المتأمل في هدايات كتاب الله عز وجل يستيقن من حقارة هذه الدنيا ونذالة أهلها وعشاقها والمغرمين بحطامها؛ وما أحاظت غياهيب ظلمة بقلب أو عشعشت فيه غفلة إلا بسبب من تلك الأسباب العائدة إلى رأس الخطايا ذاك..
حب الدنيا يسوِّدُ القلب ويقود إلى الظلم ويفسد ذات البين ويشتت العزمات ويفتت عضد الرغبة في عمل الصالحات، ولا تكاد تصح للعبد توبة مالم يطلِّق هذه الدنيا بقلبه أصالة ويرضى منها بالكفاف..
وأختم بهذه الجوهرة من جواهر شيخ الإسلام ابن اتيمية رحمه الله إذ يقول مفهما وشارحا لمعاني هذا الخبر:{حرص الرجل على المال والشرف يوجب فساد الدين، فأما مجرد الحب الذي في القلب إذا كان الإنسان يفعل ما أمره الله به، ويترك ما نهى الله عنه، ويخاف مقام ربه، وينهى النفس عن الهوى، فإن الله لا يعاقبه على مثل هذا إذا لم يكن معه عمل، وجمع المال، إذا قام بالواجبات فيه ولم يكتسبه من الحرام، لا يعاقب عليه، لكن إخراج فضول المال، والاقتصار على الكفاية أفضل وأسلم، وأفرغ للقلب، وأجمع للهَمّ، وأنفع في الدنيا والآخرة}‏.‏

أبو أريج الهلالي 20-11-2017 06:26 PM

مما يقصر فيه الكثير من العباد إلا من شملته رحمة الله وكلأه عفوه تأخير التوبة والتعلق بالأماني، علما أن الأعمار بيد الله وقبض الروح من مكنون الغيب والأعمال بالخواتيم، ويُخاف على المتمادي في العصيان أن يؤخذ على حين غرة وهو مقيم على ما يغضب الله عز وجل.
التوبة بالإجماع تجب على الفوز ولا يعلم قول أنها على التراخي؛ والتسويف والتأخير معصية ثانية تجب التوبة منها ولذلك مصاديق كثيرة من كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم .
وكل قائل : لا أتوب حتى يهديني الله ظالم لنفسه جاهل بمقاصد شريعة الله، وتلحقه المضرة في العقبى ومقالته بينة المخالفة لكلام الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم، حائد عن طريق أئمة الدين رضي الله عنهم..
ومراتبها تناولها العلماء الربانيون بالتبيان فقالوا : توبة من الكفر إلى الإيمان والمقصر فيها مآله إلى النار بنص القرآن، وتوبة من المعاصي إلى الطاعات كالزنا وغيرها والمقصر فيها متعرض لمقت الله عز وجل، وتوبة من السنة إلى البدعة وتحتاج إلى توفيق الله عز وجل والاعتصام بحبل كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ولابد من الإقلاع عن المعاصي والعزيمة على اتقاء الحوْمِ حول الحمى، وتلافي ما سلف من الجرم بالاستغفار، مع الوجل والإشفاق من انخرام عقد التوبة..
ألا فلنتب لإن الفلاح معلق بصحة التوبة وإن الظلم كل الظلم للنفس أن نلقى الله على غير توبة.
.
نسأل الله أن يتولانا بما يتولى به الصالحين من عباده..

أبو أريج الهلالي 21-11-2017 02:48 PM

التوبة والخلوة النافعة
 
الناظر في كتاب الله عز وجل وسيرة رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم ومن سار على طريقتهم من مصابيح الدجى يرى اهتمامهم البالغ بالخلوة والتقليل من فضول الخلطة؛ فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم عليه وسلم قبيل البعثة كان حُبِّب إليه التعبد مختليا في غار حراء حتى أتاه جبريل عليه السلام بالوحي، ونبي الله إبراهيم سلام الله عليه هاجر إلى ربه فكان به حفيا واعتزل قومه وما يعبدون من دون الله فوهب الله له إسحاق ويعقوب وعليهما السلام وكلا جعل نبيا، وكان من أمر الصحابي الجليل أبي ذر وغيره ما يعلم من اعتزال الفتنة والهروب بالدين من لهيبها وأوارها، وكان أمر سفيان الثوري رحمه الله وعيشه طريدا فرا بدينه ما اشتهر وتواتر، والإمام أحمد رحمه الله كان يتمنى مكانا يعبد الله فيه وحده..نعم كانت قلوب الصالحين الأولياء تضيق بكثرة الخلطة وتمجها قلوبهم مجا لاسيما إذا عم الهرج وتلاطمت أمواج لجج الفتن واختلط الحابل بالنابل..
لا يقصد من عزلة الناس الخلوة بالجبال والرهبانية المذمومة المبتدعة، إنما وِردٌ من أيام يلجأ إليه السائر إلى الله كلما طرقت قلبه قسوة، وأنست نفسه بالمخلوق وتكاسلت وتقاعست عن السير؛ وذلك أضعف الإيمان..
لهذا يندب للراغب في تجديد الإيمان في قلبه وتصحيح توبته الهرع إلى الخلوة بالله جل وعلا بهذه النية نيةِ تقويم السير وتجديد النفَس، فيتوضأُ ويحسن الوضوء ويتطيب ويلبس أحسن ما يجد (وكان لبعض السلف ثوب خاص بقيام الليل)، في ساعة مباركة كثلث الليل الآخر، ويصاف قدميه بين يدي خالقه ويتملقه بالمناجاة والدعاء ولسان حاله : أي ربي! هذا عبد ذليل بفنائك، أثقلته الذنوب وأثخنته جراح الغفلة، يسألك مسألة المسكين ويبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، أي إلهي! تب علي، أي ربي! خذ بيدي إليك، يا غفار الذنوب، ويا ستير العيوب خذ بناصيتي إلى البر والتقوى وليطل ما شاء الله، وليبكِ وإن لم يستطع فليتباكَ، وليثق في سعة رحمة الله وفضله، فإنه جلت قدرته يستحيي ردَّ يدي عبده السائل صفرا، فكيف وهو راغب في القرب وطامع في الأوبة؟! حاشاه حاشاه ما وجده المخلصون إلا كريما جوادا..
نعمْ يواظب التائب على أخذ حظه من الخلوة وكثرة التعبد حتى تستقيم له نفسه على العبادة والإبحار في أنوار الطاعة والقربى، وليكن قائده في ذلك كله كتاب الله جل وعلا فإنه الروح والنور الذي ما اقتبس منه قلب إلى أضاء وما تمسك بحبله متمسك إلا قاده إلى بر الأمان..
فالله الله في الخلوة بالله فإنها نعم المعين على صحة التوبة واستقامة القلب على الطريق ..
هذا وإنما الموفق من وفقه الله..

أبو أريج الهلالي 29-11-2017 03:03 PM

الدعاء والتوبة
 
لاشك أن مقادير الأمور بيد الله عز وجل فهو الخالق والمدبر ولا تصرف لأحد كائنا من كان في خلقه إلا بإذنه، هو المعطي، وهو القابض، وهو الباسط تبارك وتقدس..ولا تُستنزَل رحماته وفتوحه بشيء أعظم من سؤاله ودعائه..وهو جلت قدرته يغضب إذا لم يُسأل، ومعاني أسمائه تتجلى عندما يُسأل، فترى آثار ومعاني التواب إذا تاب، والغفور إذا تجاوز عن المخطئ، والرزاق إذا رزق، والمعطي إذا أعطى وهكذا تظهر آثار أسماء الله على العبد بقدر تعبده بها وسؤاله إياه بها.
واتصالا بموضوع التوبة النصوح وهمومها وطرق تحصيلها وتحقيقها، ثَمَّ أمر مهم هو أسُّها وأسَاسُها، وركنها الركين : إنه الدعــــــاء وما له من أهمية في الثبات على التوبة.
الله عز وجل من أسمائه التوَّاب، أي الذي يتوب ويأذن بالتوبة على العصاة، هو الذي يتفضلُ على المقصر فيرجع ويؤوب سبحانه جل شأنه، فلا طريق ولا باب لتحقيق التوبة النصوح إلا باب سؤاله عز وجل، ولا فتح أعظم من أن يوفق العبد لرفع يديه إلى السماء داعيا منيبا، سائلا مبتهلا، باكيا متذللا..
باب التوبة مفتوح على مصراعيه حتى تطلع الشمس من مغربها، وربنا يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، لكنَّ كمال الأدب مع الله بعدما أمر فخولفْ ، ونهى فتُجُرِّئَ عليه، أن يُسأَل ويُلحَّ عليه في الدعاء، مع استصحاب كمال الذل والتعظيم والاستحياء...
شأن الدعاء في الدين عظيم، وهو رحى العبودية؛ وهو منزلة سامية لازمة للتائب في سيره إلى الله، لأن قلبه لا تحصل له قوة، ولا لسيرِهِ صحةٌ إلا إذا كان الاستمداد من الله سبحانه، وكل تفريطٍ في سؤاله عز وجل وتوانٍ في رفع أكف الضراعة إليه يؤول إلى أن يوُكَلَ العبد إلى نفسه وثَمَّ الهلاك بلا مرية..
كان نبينا صلى الله عليه وسلم يناشد الله عز وجل في جميع أحيانه ويدعوه، ويلح عليه ويتملقه في ليله ونهاره، والتَّمثيلُ لذلك من سيرته العطرة لا يحيط به وصف ولا يكفي له مقال، ولما كان صلى الله عليه وسلم كامل اليقين أن الدعاء هو باب الله الواسع الذي لا يلجه إلا المقربون كان متواصل الدعوات بعدد الأنفاس، وكانت أدعيته جامعة مانعة.
وعلى هديه سارت تلك الصفوة الفريدة من صحابته وتابعيهم فضربوا أروع الأمثلة في التضرع والدعاء رحمهم الله ورضي عنهم..فكانوا لا يعرفون بابا غير باب السماء ولا يولون وجوههم في السراء والضراء غير وجهة الله ..
أختم بهذا الأثر عَنْ طَاوُوسٍ ، قَالَ :
" إِنِّي لَفِي الْحِجْرِ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، إِذْ دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، فَقُلْتُ: رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْخَيْرِ، لَأَسْتَمِعَّنَّ إِلَى دُعَائِهِ اللَّيْلَةَ ، فَصَلِّي ثُمَّ سَجَد َ، فَأَصْغَيْتُ بِسَمْعِي إِلَيْهِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: " عُبَيْدُكَ بِفِنَائِكَ، مِسْكِينُكَ بِفِنَائِكَ ، فَقِيرُكَ بِفِنَائِكَ ، سَائِلُكَ بِفِنَائِكَ " !! قَالَ طَاوُوسٌ: فَحَفِظْتُهُنَّ ، فَمَا دَعَوْتُ بِهِنَّ فِي كَرْبٍ إِلَّا فُرِّجَ عَنِّي ".

وهذا والتوفيق من الله وحده
.

أبو أريج الهلالي 09-12-2017 06:15 PM

عند أفول كل موسم من مواسم الطاعة يعلن كثير من العباد عزمهم على الاستدراك وتعويض ما فاتهم من صالح الأعمال، والوفاء بالمواثيق والعهود التي أخذوها على أنفسهم قبل دخول ذلك الموسم، ويكشفون عن عزيمتهم الأكيدة أن يكون ما يستقبلون من الأيام على غير ما كانت عليها سابقتها، تكون معمورة بطلب المغفرة والسعي الحثيث لتحقيقها، وتفريغ القلب والعقل لتَطلابها.
نعم، لقد رأوا وشاهدوا بقلوبهم سرعة تقضي العمر وانصرام أيام الدنيا الدنية، وما حصلوا شيئا يكون سبب رفعتهم عند الله عز وجل؛ فيبدؤون في أولى خطوات السير شعارها الأوبة إلى الله والوفاء بعقد التوبة النصوح إليه..
إن قدوم مواسم الخير فرصة سانحة ليعاهد فيها العباد ربهم بالتوبة، لعله عز وجل يطلع منهم على صحة العزم، وامتلاء القلب بالإقبال والصدق والرغبة فيما عنده. وحينئذ يوشك أن يفتح الله عليهم، فينجيهم من فتن الدنيا ولهوها، ويقيهم من تعبها ونصبها، ويحول بينهم وبين شغلها للقلب عن التفكر في سلوك طريق الصادقين؛ يوشك أن يقويهم بعد أن كانوا ضعفاء، ويعلق قلوبهم به بعد أن كانت خِلوا من التوكل عليه، والاستعانة به؛ يعينهم حتي يخرجهم من حالة البعد إلى حالة العلاقة الخاصة التي تجعلهم من عباد الله المقربين الأبرار المخلَصين.
لقد رأينا أيها العباد معالم السير، وعلمنا طريقة الاستعانة به في هذا السير، ومع ذلك نحن مصرون على الإعراض، دائموا التردد والتنقل، مؤثرون للدنيا على الانشغال بالله عز وجل، وإذا تعلق الأمر بالآخرة تباطأنا، وتلكأنا، وتأخرنا، وسوفنا،وقلنا: عما قليل نتوب، إذا أنهينا الشغل تبنا، في الإجازة نرجع ونؤوب، بعد الزواج نتوب، بعد الفوز بالصفقة نتوب؛ هكذا تتجاذبنا مشاغيل الدنيا وتسْلكُ بنا كُلَّ وادٍ..
والسؤال الملح: هل بعد هذا الإخلاف البين بالعهد والميثاق لا زال أهل الإيمان مصرين على قوة الصلة بالشيطان؟ يعدهم ويمنيهم بالحياة إلى الغد، إلى الشهر المقبل، إلى العام القادم، يمنيهم بالعمل الصالح، فيضيع عليهم أوقاتهم وأعمارهم في التعلق بالزائف والخيالات والأوهام..ليتهم تخففوا من هذه العهود الإبليسية، واتباع أهواء النفس ، والشهوات وطول الأمل والغفلة، وعلموا أنهم إذا رجعوا إلى ربهم عز وجل أغناهم، وكان في شغلهم وخدمتهم، وقوى يقينهم في وعده.
هذه هي الحالة التي وصلنا إليها، ونتكلم في محاولة الاستشفاء من عللها وأوضارها وأوجاعها، نجاهد للخروج منها خروج المقربين الراغبين فيما عند الله عز وجل المعلقين قلوبهم بالآخرة المتفكرين في هول الوقوف بين يديه جل شأنه..
هذا وإن التوفيق من الله وحده..


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 12:21 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ