عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 15-05-2018, 06:02 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,516
شكرَ لغيره: 5,794
شُكِرَ له 4,469 مرة في 1,423 حديث
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
- 1 -
(ج)
المقطوعة رقم: 14
وإن أبيتَ إلا أن تعجل علي فإني أطلعك على ما تطمئن به نفسك، وهو موضع عجيب، يشبه ما نحن فيه من أوجه كثيرة، ففيه دليل على اضطراب ترتيب أبيات القصيدة الواحدة، وفيه صفة المغارف في القدور، وفيه انتقال البيت الذي فيه صفة المغارف إلى موضع يقبح فيه ذكره المغارف وذلك بعد وصف الحرب والقتال، وهذا من عجيب الاتفاق، فهلم نراه، قال الأفوه الأودي وهي في «الطرائف الأدبية» التي اختارها الإمام عبد القاهر الجرجاني وحققها الشيخ الميمني:
1 - وإذا عجاج الموت ثار وهلهلت فيه الجياد إلى الجياد تسرّعُ
2 - بالدارعين كأنها عصب القطا الأسراب تمعج في العجاج وتمزع
3 - كنا فوارسها الذين إذا دعا داعي الصباح به إليه نفزع
4 - كنا فوارس نجدة لكنها رتب فبعض فوق بعض تشفع
5 - ولكل ساع سنة ممن مضى تنمي به في سعيه أو تبدع
6 - (وكأنما فيها المذانبُ خِلفةً وَذَمُ الدلاء على قليب تنزعُ)
7 - فينا لثعلبة بن عوف جفنة يأوي إليها في الشتاء الجُوَّعُ
8 - ومذانبٌ ما تُستعار وجفنةٌ سوداءُ عند نشيجها ما تُرفَعُ
9 - من كان يشتو والأرامل حوله يُروي بآنية الصريف ويُشبعُ
10 - في كل يوم أنت تفقد منهم طرفا وأي مخيلة لا تُقلعُ
هكذا جاءت في «الطرائف الأدبية» بهذا الترتيب الذي تراه، فانظر كيف كان الشاعر يصف الحرب والقتال ثم انظر كيف جاء البيت السادس بعدها غريبًا مقيتًا، لأن (المذانب) هي (المغارف) التي يُغتَرف بها من القدور، وقد شبهها بدلاء تنزع من قليب، فأي معنى لذكر المغارف هنا؟! وعلى أي شيء يعود الضمير من (فيها)؟! فانظر إليه كيف جاء منبتًّا منقطعا مما قبله غير مفهوم، وهذا يشبه كل الشبه ما وقع في بيت الحماسة لما جاءت (سُودٌ مَغارِفُنا) بعد (إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا)، وإنما سبب قبحها ونشوزها سقوط بعض الأبيات قبلها أو اختلاف الترتيب، فعد الآن إلى بيت الأفوه السادس ثم انقله وصيّره بين البيتين الثامن والتاسع، وانظر كيف يتسق الكلام ويطرد، فإنه يصير هكذا:
كنا فوارس نجدة لكنها رتب فبعض فوق بعض تشفع
ولكل ساع سنة ممن مضى تنمي به في سعيه أو تبدع
فينا لثعلبة بن عوف جفنةٌ يأوي إليها في الشتاء الجُوَّعُ
ومذانبٌ ما تُستعار وجَفنَةٌ سوداءُ عند نَشيجها ما تُرفَعُ
(وكأنما فيها المذانبُ خِلفةً وَذَمُ الدلاء على قليب تُنزَع)
من كان يشتو والأرامل حوله يُروي بآنية الصريف ويُشبعُ
وإذا تأملتَ هذا أدنى تأمل عرفتَ أنه كان مختلًّا وأن صوابه ما ذكرنا، فإنه بعد ما وصف القتال انتقل إلى وصف جودهم فقال: (فينا لثعلبة بن عوف جفنةٌ)، أي عندنا جفنة هي بقيّة من تراث ثعلبة بن عوف، كما قال النابغة:
بقية قدر من قدور تورثت لآل الجلاح كابرا بعد كابر
وكما قال الفرزدق:
وَرِثتُم عن الجارودِ قِدرًا وجَفنَةً كثيرًا إِذا احمَرَّ الشِّتاءُ عِيالُها
ثم قال الأفوه: (ومذانبٌ)، وهي المغارف، وهو معطوف على (جفنةٌ)، أي: وعندنا مغارف من تراثه الأول، ثم قال: (وجفنةٌ)، وهذا أيضا معطوف عليها، والمقصود في هذا الموضع يجب أن يكون القدر جزمًا لا ريب فيه، لأمور منها:
1 - أنها ذكر الجفنة من قبل فلأي شيء يعيد ذكرها، وكيف يعطفها على نفسها باللفظ نفسه؟! وإنما يريد هنا القدر.
2 - أنه قال (سوداء) فوصفها بالسواد، وقد ذكرنا من قبل أنهم يصفون القدر بالسواد.
3 - أنه قال (عند نشيجها)، والجفنة لا تنشج وإنما الذي ينشج القدر، وأراد بنشيجها صوت القدر إذا غلت وجاشت، وقد أكثرت الشعراء من صفة أصوات القدور.
4 - أنه قال (ما تُرفَع)، أي: ما تُرفَع عن النار، فجعل القدر كأنها تنشج وتبكي إذا مسها حرّ النار فلا يأوون لها ولا يرحمونها ولا يرفعونها عن النار حتى ينضج ما فيها.
5 - أنه في البيت الذي بعده شبه المغارف التي تنزع منها بدلاء تنزع من بئر، والمغارف لا تنزع من الجفنة فيسوغ أن تُشبّه بالدلاء التي تنزع من البئر، بل المغارف تنزع من القدر وتُفرغ في الجفنة.
فالشاعر يريد في هذا الموضع القدر يقينا قاطعًا.
ولكن قد يقال: نعلم أنه يريد القدر، ولكن لعل القدر تسمّى جفنة، فهذا ما أراد.
وأنا قد بحثتُ في ما تيسّر من كتب اللغة فلم أجد أن القدر تسمّى جفنة، وإني لأحسب أن صوابها: (جَونَةٌ)، والجونة هي السوداء، وأنت ترى أنه وصفها بعد هذه اللفظة مباشرة بأنها (سوداء)، وذكرنا من قبل أن القدور توصف بالسواد، والقدر توصف في شعر العرب بأنها (جَونَة)، قال حميد بن ثور في صفة طلل:
فَتَغيَّرَت إِلا مَلاعبَها ومُعَرَّسًا مِن (جَونَةٍ) ظَهرِ
أي: بقي من الطلل معرَّس الجونة، فالجونة هي القدر، ومعرَّسها هو الشيء الذي كانت عليه وهو الأثافي، فيقول: بقي من الطلل الأثافي.
ولعل: الذي قرأ شعر الأفوه غرّته لفظة (جَفنَةٌ) في البيت الذي قبله فقرأ هذه مثلها، وصوابها إن شاء الله: (جَونَةٌ)، وهما متشابهتان جدًّا في الرسم.
فعطف الأفوه على الجفنة والمذانب وقال: وفينا (جَونةٌ سوداءُ) من تراث ثعلبة. يريد بها القدر، ثم وصف نشيجها وأنها لا تُرفع عن النار، ثم شبه المذانب وهي تنزع من هذه القدر بالدلاء تنزع من البئر.
فخذ الآن هذا البيت الذي فيه تشبيه المغارف وهي تنزع من القدر بالدلاء وهي تنزع من البئر وردّه إلى موضعه الذي وقع فيه في شعر الأفوه الأودي بتحقيق الميمني، وانظر إليه، فإن كنتَ بعد هذا البيان تشك في اضطراب الترتيب الذي وقع في شعر الأفوه في كتاب «الطرائف الأدبية» فإني لا أستطيع أن أقنعك بشيء، وأسأل الله لي ولك التوفيق، وإن كنتَ تصدّق أنه قد اضطرب وأن البيت الذي فيه صفة المغارف قد انتقل خطأ إلى موضع أصبح فيه غريبًا كريهًا غامضًا فكذلك البيت الذي فيه (سُودٌ مَغارِفُنا) قد صار في روايات الحماسة إلى موضع أصبح فيه ذكر المغارف هُجنةً وقبحًا، ولو رُدّ إلى موضعه لاستبان جماله.
وقد رأيتَ كيف استقام الكلام واستتب في شعر الأفوه لما رددنا البيت إلى حاقّ موضعه، فهل أنت بعد هذا لائمي في ما زعمتُه من أن قوله:
سُودٌ مغارفُنا نُـهبَى مَراجلُنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا
ينبغي أن يكون بعد قوله:
المطعمون إذا هبت شآميةً وخير نادٍ رآه الناس نادينا
وأنه ينبغي أن يكونا هكذا لا كما جاء ترتيبهما في المفضليات.
فنعود الآن إلى هذين البيتين لبيانهما:
(المطعمون إذا هبت شآميةً) (وخير نادٍ رآه الناس نادينا)
(سُودٌ مغارفُنا نُـهبَى مَراجلُنا) (نأسو بأموالنا آثارَ أيدينا)
فاجمع الصور في أربعة الأشطار هذه وتأملها.
فأما (المطعمون إذا هبت شآميةً) فالمراد به الإطعام في وقت الشتاء إذا هبت الريح شآميةً وهي ريح الشمال الباردة، والشتاء هو وقت الجدب والشدة. وبعض الناس لا يفهم من هذا الإطعام إلا أن الرجل يأتيه الضيف يطرقه في بيته فيبذل له القرى في بيته، وليس هذا المراد هنا، بل المراد به الميسِر، وما أكثر ما تفتخر به العرب في الجود والسماحة، وأكثر ما يكون ذلك إذا ذكروا الشتاء.
وذلك أن الأجواد إذا أجدب الناس وعمّ الجوع خرجوا إلى ناديهم فضربوا بالقداح على جَزور -وهي الناقة التي تُجزَر- ثم جعلوا لحمها للفقراء والضعفاء، وستفهم معنى هذا إن شاء الله، ومعرفة طالب الأدب لهذا مهمة جدًّا، فإن كثيرًا مما يجيء في الشعر لا يكاد يفهم منه أحد من أهل زماننا إلا الضيافة المألوفة، وهي أن ينزل ضيف ببيت الرجل فيقريه مما حضر أو يذبح له من غنمه، وكثير مما في شعر العرب لا يُراد به هذا، وإنما يُراد به الميسر الذي سنصفه، وسأختصره فافهمه لتفهم كثيرًا مما في شعر العرب.
وأنا ناقل من كلام الإمام ابن قتيبة في كتاب «الميسر والقداح» بعض ما يتضح به ذلك، قال في قول الله : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما، قال ابن قتيبة: "وأما نفع الميسر فإن العرب كانوا في الشتاء عند شدة البرد وجدب الزمان وتعذر الأقوات على أهل الضر والمسكنة يتقامرون بالقداح على الإبل، ثم يجعلون لحومها لذوي الحاجة منهم والفقراء، فإذا فعلوا ذلك اعتدلت أحوال الناس وأخصبوا، وعاشوا واستراشوا، قال الأعشى يمدح قومًا:
المطعمو الضيف إذا ما شتوا والجاعلو القوت على الياسر
أي يجعلون أقوات الفقراء منهم على الياسرين بالقداح، وهم أهل الثروة وذوو الجدة والأجواد، وكانوا يمدحون بأخذ القداح، ويسبّون بتركها، ويسمّون الموسر الذي لا يدخل معهم في الميسر ولا يتحمل الغرم لصلاح أحوال الناس: البَرَم، قال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا:
ولا برما تهدي النساء لعرسه إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
وجمعه أبرام، وإذا كان الرجل بَرَمًا -لا يدخل معهم في القداح - لم يدخل اللحم بيته إلا بأن يُهديه نساء الحي إلى امرأته
".
قلتُ: وانظر إلى الشبه بين قول الأعشى: (المطعمو الضيف إذا ما شتوا)، وهو في الميسر كما ذكر ابن قتيبة وكما دلّ عليه عجزه، وبين قول المرقش الأكبر: (المطعمون إذا هبّت شآمية)، فإن هذا يشعرك أن بيت المرقش أيضًا في صفة الميسر، فهذا أول شيء يطالعك وتستأنس به، وإلا فجميع ما في بيتي المرقش يؤكد أنه يصف الميسر، وكما يتشابه شعر العرب في المعاني يتشابه كثيرًا في الألفاظ والتراكيب، كما تشابه هذان الشطران للأعشى والمرقش الأكبر، والرجلان كلاهما من بني بكر بن وائل.
وندع هذا فنقول:
القِداح - لتفهم كلامه - هي أعواد النبل أو صغار النبل ليس عليها نصال ولا ريش، وهي عشرة قِداح، سبعة منها لها حظوظ، وستفهم معنى الحظوظ، وثلاثة لا حظوظ لها، فأما السبعة ذوات الحظوظ فيأخذها سبعة من القوم يأخذ كل واحد منهم واحدًا منها، أو يأخذ الواحد منهم اثنين أو ثلاثة، والمقصود أنها تقسم كلها، ويضعونها في خريطة واسعة لها فم ضيق، ويضعون الثلاثة التي لا حظوظ لها معها، وستفهم سبب ذلك أيضا، ثم يجلجلون بالخريطة ويدفعونها فيخرج من فمها واحد من القداح، فمن خرج قدحه فاز وغنم، ومعنى فوزه وغنمه أنه يأخذ حظا من الناقة التي جزروها أو حظين أو ثلاثة أو غير ذلك بحسب حظ قدحه ولا يدفع ثمن هذا الذي يأخذه من الناقة بل يغرمه الخاسر من أصحابه، وهذا الفائز لا يأخذ اللحم ليأكله وإنما يطبخه للضعفاء والمساكين، فلذلك تفخر العرب كثيرًا بالميسر لما فيه من إطعام الضعفة والـهُلّاك، فهذا اختصاره الشديد، وسأزيده إيضاحا بغير تطويل.
فدونك مختصرًا من كلام ابن قتيبة لا أنقله بنصه وإنما بمعناه وأكثره من لفظه، قال في ذكر القداح التي لها حظوظ وهي سبعة:
للفذ نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة أنصباء، وللحلس أربعة أنصباء، وللنافس خمسة أنصباء، وللمسبل ستة أنصباء، وللمعلى سبعة أنصباء.
وعلى كل قدح منها علامة تدل عليه وعلى حظه، فعلى الفذ فرض، أي حَزّ وقطع يكون علامة له، وعلى التوأم فرضان، وعلى الرقيب ثلاثة فروض، وهكذا.
وكانوا يأخذون هذه السبعة على قدر أحوالهم، فآخذ الفذّ منها لا يكثر غرمه ولا غنمه، لأنه إن فاز أخذ حظا واحدًا من أجزاء الـجَزُور -وهي الناقة التي تُجزَر- وإن خاب غرم حظًّا واحدًا. ثم يتلوه صاحب التوأم إن فاز أخذ حظين وإن خاب غرم حظين، وهكذا.
وأما الثلاثة التي لا حظوظ لها فليس عليها علامات، ولذلك تسمى الأغفال، والغُفل من الدواب هو الذي لا سمة له.
وإنما تُجعَل هذه الثلاثة مع تلك السبعة ليكثر بها العدد وتؤمن بها حيلة الضارب الذي يجلجل الخريطة وستعرف خبره بعد قليل.
فكانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا ناقة بثمن مسمّى يضمنونه لصاحبها، ولم يدفعوا ثمنها حتى يضربوا بالقداح عليها فيعلموا على من يجب الثمن، ثم ينحرون الناقة قبل أن ييسروا، فيقسمونها عشرة أقسام، ثم ييسرون أي يفيضون بالقداح، فإذا أرادوا أن يفيضوا بالقداح أحضروها وأحضروا رجلا يضرب بها بينهم، وهو الضارب الذي ذكرنا قبل قليل، فإذا أحضروه شدوا عينيه لئلا يرى القداح، ثم عصبوا على يديه بثوب لئلا يفهم علامات القداح إن كان له هوى في فوز بعضهم، لأن القداح عليها حزوز كما ذكرنا، فيستطيع بجس يده ولو لم يرها أن يعرف القدح الذي فيه حَزٌّ واحد وهو الفذّ، والذي فيه حزّان وهو التوأم وهكذا، فأرادوا أن يأمنوا من ذلك، ثم يعطونه خريطة واسعة ذات فم ضيق لا يخرج منه إلا قدح واحد، وهذه الخريطة يسمونها الربابة، وتكون القداح كلها العشرة في هذه الربابة، ثم يُقعدون خلف ظهر الضارب رقيبا يتأمل حركة يديه وصنيعه لئلا يكون منه خيانة واحتيال، ثم يقولون للضارب: جلجل. فيجلجل بالقداح في تلك الخريطة مرتين أو ثلاثا، أي يحركها حتى تختلط القداح، لئلا يعرف أماكنها في الخريطة فيتوصل بذلك إلى خيانة، ثم يدفع بالربابة دفعة قوية فيخرج من فمها الضيق قدح واحد، فيقوم الرقيب إليه يأخذه وينظر إليه، فإن كان من الثلاثة الأغفال التي لا حظوظ لها ردّه إلى الربابة، ويكون ذلك لغوًا لا غرم فيه على أحد ولا غنم، ثم يقولون للضارب: أعد الجلجلة والإفاضة، وإن كان من السبعة ذوات الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: قم فاعتزل. فيأخذ قدحه ويثبت له حظه من الجزور ويعتزل، ويكون صاحب هذا القدح قد غنم على قدر حظ قدحه. فإذا اعتزل صاحب القدح قال الرقيب للضارب: أعد الجلجلة والإفاضة. فيعيدها وهكذا حتى تؤخذ أجزاء الجزور العشرة.
فإن كان الذي خرج في المرة الأولى مثلا هو الفذ -وله حظ واحد- أخذه صاحبه وصار له جزء من أجزاء الجزور وسلم من الغُرم واعتزل القوم، وبقي تسعة أجزاء من الجزور، ثم يعيدون الجلجلة والإفاضة، فإن خرج التوأم مثلا -وله حظان- أخذه صاحبه وصار له جزءان من الجزور وسلم من الغرم واعتزل القوم، وبقي سبعة أجزاء من الجزور، ثم يعيدون الجلجلة والإفاضة، فإن خرج الرقيب مثلا -وله ثلاثة حظوظ- أخذه صاحبه وصار له ثلاثة أجزاء من الجزور وسلم من الغرم واعتزل القوم، وبقي أربعة أجزاء، ثم يعيدون الإفاضة، حتى تنتهي أجزاء الجزور.
فإن كان الذي خرج في المرة الأولى الحلس مثلا -وله أربعة حظوظ- ثم خرج في المرة الثانية المسبل -وله ستة حظوظ- فقد ذهبت أجزاء الجزور العشرة، فيقطعون الإفاضة وينتهي الميسر، ويغرم ثمنَ الناقة أصحابُـهم الخمسة، وهم صاحب الفذ وصاحب التوأم وصاحب الرقيب وصاحب النافس وصاحب المعلى، فأما هذان الفائزان فإنهما لا يأخذان هذا اللحم ليأكلاه، ولو كان كذلك لكان قمارا محضا لا خير فيه ولا نفع، وليس الميسر كذلك، بل الميسر فيه منافع كما في الآية الكريمة، وذلك أن هذين الفائزين يطعمان الفقراء والمساكين والضيفان لحم هذه الناقة، فهذه هي منافع الميسر، وأما الخمسة الغارمون فيقسمون ثمن الناقة على 18 ويحتمل كل واحد منهم بقدر حظ قدحه، وذلك أن الحظوظ كلها 28، لأن:
1 + 2 + 3 + 4 + 5 + 6 + 7 = 28
فإذا كان الحلس -وله أربعة حظوظ- والمسبل -وله ستة حظوظ- قد خرجا من الحساب بعشرة الحظوظ التي معهما، فإنه يبقى مع الآخرين 18، لأن:
1 + 2 + 3 + 5 + 7 = 18
وهي عدد الحظوظ التي مع الخمسة الغارمين، فيقسمون ثمن الناقة على 18، فلو كان ثمنها مثلا 1800 درهم، فإنهم يقسمونه على 18 ويكون كل جزء منها 100 درهم، فيغرم كل امرئ منهم بقدر قدحه، فأما الفذ الذي في قدحه علامة واحدة فيغرم جزءا واحدًا وهو 100 درهم، وأما التوأم الذي له حظان فيغرم جزأين وذلك 200 درهم، وهكذا، ويغرم صاحب المعلَّى الذي له سبعة حظوظ سبعة أجزاء وذلك 700 درهم، ويكون مجموعها هكذا:
100 + 200 + 300 + 500 + 700 = 1800 درهم

فإن خرج في المرة الأولى النافس مثلا وله خمسة حظوظ ثم خرج المعلى وله سبعة حظوظ، صار ذلك اثني عشر حظا، والجزور عشرة أجزاء فقط، فيأخذ صاحب المعلَّى سبعة أجزاء، وهذا هو الذي يُراد بقول الناس: فلان له القِدح المعَلَّى، لأنه أكثر القداح حظا، ويأخذ صاحب النافس ثلاثة أجزاء، ويبقى له جزآن لم يحصلهما، فيغرم الخاسرون ثمن جزئين من أجزاء الناقة يؤدونه إلى صاحب النافس إضافة إلى ما يغرمونه من ثمن الناقة الأولى التي ضربوا بالقداح عليها.
فهذا هو حاصل الميسر الذي تفتخر به العرب في أشعارها، وإنما شرحناه لعظم فائدته في فهم شعر العرب عامة ولأن البيت الذي فيه (سُودٌ مَغارِفُنا) أراد به صاحبه الميسر.
فإذا انتهى ميسرهم وحُصّلت أجزاء الجزور أوقدوا نيرانهم ونصبوا قدورهم واجتمع عليهم الـهُلّاك والضعفة وذوو الضر والأرامل والأيتام والأضياف والجيران وغيرهم، فيبيتون يطبخون ويَقرون حتى يخصب الناس، وقد ذكر ابن قتيبة أن الميسر أكثر ما يكون في الليل.
فإذا فهمتَ هذا من قوله: (المطعمون إذا هبّت شآميةً) فافهم ما في قوله: (وخير نادٍ رآه الناس نادينا) وذلك أنهم قد اجتمعوا في ناديهم وبرزوا للمعتفين ورحبوا بهم وأدنوهم إليهم ونحروا جزورهم ونصبوا قدورهم وأوقدوا عليها وقعدوا للناس يلاطفونهم ويمازحونهم حتى نضج ما في قدورهم ثم قاموا إليها يغرفون ما فيها بمغارفهم ويوزعونه على المحتاجين منهم ومساكينهم فيتناهبونه ويتقسّمونه، فتخيل الآن مقامهم عند قدورهم بمغارفهم يغرفون وقد أحاط بهم الأرامل والأيتام والضعفاء من كل ناحية وهم يغرفون بمغارفهم التي اسودت من طول الغَرف بها على الأيام ويُلقونه ذات اليمين وذات الشمال للمتناهبين.
فإذا تصورت ما في هذين الشطرين فانظر إلى حسن موقع (سُودٌ مغارفنا نُـهبَى مراجلنا) بعدهما، وانظر إلى موقع (شُعثٌ مَقادِمُنا) و(بِيضٌ مَعارِفُنا) و(بِيضٌ مَفارِقُنا).
وإذا كانت مراجلهم نُـهبَى وكان المساكين يتناهبون ما فيها فكيف تظنهم يتناهبونه؟ أتُراهم يدخلون أيديهم في القدور الحارة ويأكلون منها أم يكون ذلك بالمغارف؟ وإذا كان ذلك بالمغارف أترى أن هذا الجواد صاحب الميسر يعطيهم المغارف ويقول اغرفوا بها أم يكون هو الذي يغرف لهم ويخدمهم ويقسمه بينهم؟ لا شك أنه يغرف لهم بنفسه هذا الطعام الذي يتناهبونه، فإذا كان كذلك فإنك لن تجد مع قوله (نُهبَى مراجلُنا) شيئا أحسن ولا أوفق ولا أليق من (سُودٌ مَغارِفُنا)، والمغارف أحقّ شيء بالذكر في هذا الموضع مع تناهب ما في المراجل، لأن تناهب المراجل المذكور لا يكون إلا مما تخرجه هذه المغارف، فهؤلاء يغرفون بمغارفهم السود وهؤلاء يتناهبون، وأما (المفارق) و(المعارف) و(المقادم) فأرى ذكرها هنا مقتًا لا خير فيه.
فإذا أبصرتَ ما في ثلاثة الأشطار التي فسرناها فإن الشطر الرابع وهو قوله (نأسو بأموالنا آثار أيدينا) متمم لها وجزء منها، وليس كما فسره به من شرحوا الحماسة، فإني رأيتُ الشروح التي وقفتُ عليها مجمعة على أن معنى (نأسو) هنا: نصلح ونداوي، وأن معنى البيت كله: أننا إذا أصبنا في قوم دمًا لم يطمعوا في القود والاقتصاص منا لعزتنا ومنعتنا بل نعطيهم الدية في ذلك من أموالنا.
وهذا معنى جيد في ذاته، ولكنه لا يصلح في هذا الموضع الذي هو في صفة الميسر، وليس لذكر الديات هنا مدخل ولا مسوغ.
وعندي تفسيران لهذا يناسبان موضع هذا الشطر وما وصفناه من أمر الميسر.
فأما الأول فمبني على أن (نأسو) هنا معناه نصلح ونداوي، ويكون المقصود بالأموال أثمان الجزور التي غرموها في الميسر، والمقصود أنهم يصلحون بما يبذلونه في الميسر ما كان قبله من آثار أيديهم في من يكون بينهم وبينه شر وخلاف، وقد يكون الشر بينهم وبين بعض أبناء حيهم وما أكثر ذلك في أحياء العرب، وقد يكون بينهم وبين غيرهم من الأحياء المجاورة لهم، فربما جاء إلى الجزور في هذا الجدب والشدة صبيانُ خصمِهم وأيتامُهم ونسوتُهم وضعفتُهم فيعطونهم ويحسنون إليهم ويمحون بذلك ما كان من آثار أيديهم إن كانوا أصابوا دمًا في خصمهم أو نالوه بجراحة أو نحو ذلك.
وهذا أضعف التفسيرين على أنه أجود في هذا الموضع مما قاله شارحو الحماسة.
وقد يقال هنا:
إذا كان الأمر على ما وصفتَ من شأن الميسر فينبغي أن يكون الشاعر إما غانما وإما غارما، فإن كان غانمًا وأصاب ما أصاب من لحم الجزور وطبخه للناس فإنه حينئذ لم يدفع مالًا لأن الغرم صار على غيره، فكيف يقول (نأسو بأموالنا) وهو لم يدفع شيئا من ثمنها؟ وإن كان غرم فقد دفع المال ولم يحصل له شيء من الجزور فكيف يفتخر بأنه بات يطبخ ويغرف من مرجله للمعتفين؟ فليس يجتمع للرجل -على ما جاء في صفة الميسر- الأمران أن يأخذ حظا من الجزور وأن يدفع مالًا فيها، فكيف يقول: (سود مغارفنا نهبى مراجلنا) ثم يقول: (نأسو بأموالنا آثار أيدينا
وهذا اعتراض جيد، وجوابه:
أن الشاعر لم يتكلم عن نفسه ولم يقل أنا أطبخ للضيفان وأدفع ثمن الجزور، وإنما يتكلم عن فعله وفعل من معه ويفتخر بفعلهم كلهم، وهؤلاء الذين معه ليسوا أعداء أو غرباء بل هم من أصدقائه ومن ذويه ومن خاصته ومن أقربائه وجميعهم في الغالب من قومه، وقد مشى هو إليهم ومشى بعضهم إلى بعض وتشاوروا واتفقوا على أمر الميسر ليُنعشوا به الهلاك، فهو يفتخر بفعلهم كلهم لا بفعله وحده، بل قد ييسر من ييسر منهم في بعض الأوقات ولا يكون هو معهم، فالرجل يفخر بقومه لا بنفسه، ألا تراه يقول: (المطعمون إذا ...) ولم يقل: (أنا المطعم)، فإذا كان الأمر كذلك فإن هؤلاء الذين مشوا في أمر الميسر سواء أكانوا سبعة أم أقل من ذلك قد اجتمع في مجموعهم الأمران جميعًا، أعني طبخ اللحام في القدور ودفع ثمن الجزور، لأن بعضهم أخذ اللحمان وطبخ وأطعم وبعضهم غرم ثمنها، وهو يفخر بهم كلهم، وكلهم أرادوا خيرا وأصابوه سواء ظفرت قداحهم أو خابت، وتسمية خيبة قداحهم وحملهم ثمن الجزور غرما تجوز في الكلام، ولو كانوا هم يعدّونه غرما ويخافون منه ما دخلوا في الميسر أصلا وليسوا مجبرين عليه، بل لا يعدون أنفسهم خاسرين وإنما يفخرون بفعلهم هذا وأنهم حملوا ثمن الجزور التي أُنعش بها الضعفة والمساكين، فهو يفخر بهؤلاء كلهم لِـما انتدبوا إليه من هذا الأمر فمنهم من صارت له اللُّحمان وجشم عناء الطبخ ومنهم من حمل الثمن، وهذا قلته تنزلًا على اعتبار أن الغارمين لا يكونون مع الفائزين في الطبخ وتقسيم الطعام، وإلا فإن الغارمين الذين يحملون ثمن الجزور يكونون مع إخوانهم في طبخهم وعند قدورهم يعينونهم ويطبخون معهم ويغرفون للمعتفين، فهم جماعة أمرهم واحد ومقصدهم واحد وهو إطعام الفقراء والمساكين، فهم شركاء في طبخهم وفي إطعام ضيوفهم وفي أمرهم كله، وإنما الميسر شيء يشبه القرعة، فكأنهم قوم اتفقوا على إطعام الناس وقالوا نجعل قرعة من تكون عليه يحمل ثمن الجزور، فأمرهم واحد وقصدهم واحد وضيفهم واحد، وكلهم يرى نفسه قد أطعم وقرى حمل شيئا من ثمن الجزور أو لم يحمل.
ثم إن الذي يغرم اليوم قد يغنم غدًا ثم يغرم ثم يغنم، فمرة تكون من نصيبه اللُّحمان ومرة يحمل الأثمان، والشاعر يصف دأبهم وديدنهم هذا على السنين في كل مرة يُـمحل فيها الناس ويُسنِتون، فهم دائما يطبخون للمعتفين ويدفعون الأثمان على مر السنين، وليس يتكلم عن يوم واحد من الدهر غنم فيه هذا أو غرم فيه ذاك.
فهذا جواب الاعتراض.
وأما الوجه الثاني في البيت وهو أجودها في تقديري فقد بنيتُه على أن (نأسو) ليس معناها هنا نصلح، وهذا شيء لم أر أحدًا منهم ذكره، أعني تفسير (نأسو) خاصة، وأما تفسير الشطر كله فكلا التفسيرين اللذين اقترحتهما لم يذكرهما أحد في ما رأيت.
وإنما معنى (نأسو) هنا: نجعلها أُسوتها، أي نسوّيها بها، فلا يكون لواحدة منهما فضل على أختها.
قال في اللسان: "وَالْقَوْمُ أُسْوَةٌ فِي هَذَا الأَمر أَي حالُهم فِيهِ وَاحِدَةٌ...ويقال: أَسَوْتُ فلاناً بفلان إِذَا جَعَلْته أُسْوته؛ وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لأَبي مُوسَى: آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهك ومَجْلِسك وعَدْلِك، أَي سَوِّ بَينَهم واجْعل كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إسْوة خَصْمه".
فكأن الشاعر يقول: نأسو آثارَ أيدينا بآثار أموالنا، أي نسوّيها بها فلا يكون لها فضل عليها.
وقد عرفنا آثار أموالهم وهي ما يغرمونه في الميسر، فما آثار أيديهم؟
فأقول: آثار أيديهم هي ما ينحرونه هم من إبلهم لضيفانهم وغيرهم في الخصب وفي الجدب ويكون ذلك في كل حين، وأما الميسر فقد ذكر ابن قتيبة أنه لا يكون إلا في الجدب في الشتاء ولا يكون في الصيف.
فالمقصود بآثار أيديهم أن الرجل منهم له إبل هي ملك له دون غيره، وله بيت يغشاه الضيفان والمساكين يقصدونه هو دون غيره، فإذا غشي الرجل في بيته أحد من هؤلاء أو سمع صوت مستنبح حول بيته قام إلى إبله واعتام خيرها فعرقبها بسيفه ونحرها وقرى ضيفه منها، وشطر ما تراه من افتخارهم بالجود والقِرى يريدون به هذا وشطره يريدون به الميسر، وهذا الضرب الذي هو آثار أيديهم كثير جدًّا في الشعر، ومنه قول عمرو بن الأهتم:
ومُستَنبِحٍ بَعدَ الهُدوءِ دَعوتُهُ وقَد حانَ مِن نَجم الشِّتاءِ خُفوقُ
يُعالِجُ عِرنينًا مِنَ الليلِ بارِدًا تَلُفُّ رياحٌ ثَوبَهُ وَبُروقُ
أَضفتُ فَلم أُفحش عَلَيهِ ولم أَقُل لِأَحرِمَه إِنَّ المَكانَ مَضيقُ
وقُمتُ إِلى البَركِ الهَواجِدِ فَاتَّقَت مَقاحيدُ كُومٌ كالـمَجادِلِ رُوقُ
بِأَدماءَ مِرباعِ النِّتاجِ كَأَنَّها إِذا عَرَضَت دونَ العِشارِ فَنيقُ
بِضَربَةِ ساقٍ أَو بِنَجلاءَ ثَرَّةٍ لَها مِن أَمام الـمَنكِبَين فَتيقُ
إلى آخر أبياته، وأنت ترى أن هذا المستنبح الطارئ المفاجئ الذي قد يجيء بعد نوم الناس وهدأتهم لا يكاد يجتمع له الناس للميسر والضرب بالقداح، ومتى يشتري هؤلاء ناقة ومتى تتمّ عِدَّة هؤلاء الأيسار الذين يأخذون القداح ومتى ومتى؟ وليست هذه سبيل الميسر، وإنما الميسر قِرًى عام يُبذَل للناس في نادي القوم إذا عم الناسَ الجوعُ والضر، وأما هذه التي في أبيات عمرو بن الأهتم فضيافة خاصة، وإنما وصف الشاعر هذا النوع بقوله (آثار أيدينا) لأنه يقوم بنفسه إلى إبله فيعتام منها ثم يضربها بسيفه ضربة تعرقبها ثم يطعنها في منحرها طعنة نجلاء، ثم لا يدفع في ذلك مالًا ولا ثمنا لأحد لأن هذه إبله وهو المالك لها، وأما الميسر الذي وصفه بأنه (آثار أموالهم) فإن الرجل لا ينحر فيه من إبله وإنما يذهب الأيسار كما وصفنا فيشترون ناقة، وذكر ابن قتيبة أنهم يحضرون جازرًا يجزرها، فالرجل منهم حينئذ لا ينحر ولا يعرقب ولا يصنع شيئا من هذا وإنما يغرم مالًا يدفعه بقدر حظ قِدحه، فهذا هو الفرق بين (آثار أيديهم) و(آثار أموالهم)، فالرجل لما ذكر ميسرهم في هذه الأبيات قال بعدها: نأسو آثارَ أيدينا بآثار أموالنا، أي نجعلها أسوتها ونسوّيها بها فلا يكون لإحداهما فضل على الأخرى، ومعناه: أنه كانت لأيديهم آثار كثيرة في عَبط إبلهم ونحرها للضيفان على طول الشهور ثم هذه التي يصفها الآن في البيتين هي آثار أموالهم في ميسرهم في الشتاء، فقد لحقت بآثار أيديهم وتساوى الطرفان لا شفّ لأحدهما على صاحبه.
واعلم أنك قد تنكر (سُودٌ مَغارفُنا) وتميل إلى (بيض مفارقنا) من غير أن يكون لك حجة فيها، وإنما هو الإلف حسب، فإنك إن كنتَ حفظتَ هذه المقطوعة قديمًا وجرى هذا البيت على لسانك كثيرًا كما جاء في رواية الحماسة (بيض مفارقنا) نبا سمعك عن (سُودٌ مَغارِفُنا)، وليست الحجة في الإلف ولا في التعود، فإنك لو كنتَ حفظتَها أول مرة (سود مغارفنا) لأنكر سمعك الآن (بيضٌ مفارقنا).
هذا وليست الصور التي رسمناها في تفسير البيتين أباطيل من الأوهام لا وجود لها، بل هي موجودة في شعر العرب لمن تأمله وموجودة في حياتهم، وأقرب شيء تراه من ذلك ما في معلقة لبيد، فإن فيها ما يشابه بعض ما ذكرنا وصورنا، قال لبيد:
وجَزورِ أَيسارٍ دَعَوتُ لِحَتفِها بِمَغالِقٍ مُتَشابِهٍ أَجسامُها
أَدعو بِهِنَّ لِعاقِرٍ أَو مُطفِلٍ بُذِلَت لِجِيرانِ الجَميعِ لِحامُها
(بمغالق متشابه أجسامها): يريد بها القداح التي يضربون بها، ففي هذين البيتين ذكر ضربهم على الجزور بالقداح وبذلهم لحمها لجيرانهم.
فَالضَّيفُ والجارُ الجَنيبُ كَأَنَّما هَبَطا تَبالَةَ مُخصِبًا أَهضامُها
وفي هذا البيت ذكر من يغشاهم من الغرباء من ضيف عابر أو جار مجاور، والجنيب: الغريب.
تَأوي إِلى الأَطنابِ كُلُّ رَذِيَّةٍ مِثلِ البَلِيَّةِ قالِصٍ أَهدامُها
وفي هذا البيت ذكر من يغشاهم من النساء الضعيفات المعدمات، قال ابن الأنباري: "الرذية المرأة التي قد أرذلها أهلها، أي ألقوها". وقالص أهدامها: أي تقطعت ملابسها وأخلاقها التي عليها حتى قلصت وانحسرت، والأهدام جمع هِدم وهو البالي من الثياب.
وَيُكَلِّلونَ إِذا الرِّياحُ تَناوَحَت خُلُجًا تُمَدُّ شَوارِعَا أَيتامُها
وفي هذا البيت تشبيه جفانهم التي يقرون فيها لعظهما بالخلج جمع خليج، وفيه بيان مَن الذي يأكل منها ويشرع فيها وهم الأيتام.
وجاء الفرزدق بهذه الصور واضحة جلية فتأملها وخص بالتأمل ما بين الأقواس، وذلك في قوله من قصيدة فاخرة:
وقَد عَلِمَ (الجيرانُ) أَنَّ (قُدورَنا) ضَوامِنُ لِلأَرزاقِ (والريحُ زَفزَفُ)
ريح زفزف: شديدة.
نُعَجِّلُ لِلضيفانِ في (المَحلِ) بِالقِرى قُدورًا بِمَعبوطٍ تُمَدُّ (وتُغرَفُ)
تُفَرَّغُ في شيزى كَأَنَّ جِفانَها حِياضُ الجِبا مِنها مِلاءٌ وَنُصَّفُ
تَرى (حَولَهُنَّ) (المُعتَفينَ) كَأَنَّهُم عَلى صَنَمٍ في الجاهِلِيَّةِ عُكَّفُ
(قُعودًا) وفوقَ القاعِدينَ شُطورُهُم (قيامًا) وأَيديهِم جُموسٌ ونُطَّفُ
(جُمُوسٌ) معناه قد جَمَسَ عليها الوَدَك أي جمد، وليست (جُمُوسٌ) جمعَ (جِـمْس) الذي هو ضرب من السيارات :) :)، (ونُطَّف): أي ينطف منها الودك أي يقطر ويسيل، ومعنى البيت في ما أرى: أن هؤلاء المعتفين قد أحاطوا بالجفنة فصاروا حلقة دائرة، فمنهم قعودٌ وهم الأدنون إلى الجفنة، قعود عليها يأكلون منها، وخلف هؤلاء القاعدين على الجفنة صفٌّ قيام ينتظرون نوبتهم، فصار يُرى من هؤلاء القيام شطورُهم أي أنصاف أجسامهم لأن النصف الأسفل من القائم يغطيه الرجل القاعد أمامه فلا يُرى منه إلا شطره الأعلى، فتُرى شطورُ هؤلاء القيام فوق القاعدين، وأما الأيدي الجموس والنطّف فبيانها أن الرجل منهم يدخل يده في الجفنة ويخرجها تنطف وتقطر فإذا وضع اللقمة في فمه وانتظر قليلا للمضغ والبلع جمس الودك على يده فورًا من شدة البرد، وهذا كالذي أنشدناه من قول الراعي:
فباتت تعدّ النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودُها
فمعنى (وأيديهم جموس ونطف) أن بعضهم يكون يمضغ الطعام وقد جمس الودك على يده وبعضهم تكون أيديهم خارجة من الجفنة تنطف ولـمّا يجمس الودك عليها، والضمير في أيديهم عائد على القعود، وأما القيام فليست أيديهم جموسا ولا نطفا، وإنما هم قيام ينتظرون أن يقوم القاعدون فيقعدوا مكانهم على الجفنة.
وجاءت الصور التي شرحناها أيضًا في أبيات الأفوه الأودي التي أنشدناها قبل:
فينا لثعلبة بن عوف جفنةٌ يأوي إليها في الشتاء الجُوَّعُ
ومذانبٌ ما تُستعار وجَونَةٌ سوداءُ عند نَشيجها ما تُرفَعُ
والمذانب: المغارف كما ذكرنا.
وكأنما فيها المذانبُ خِلفةً وَذَمُ الدلاء على قليب تُنزَع
مَن كان يشتو والأرامل حوله يُروي بآنية الصريف ويُشبِعُ
ويريد بقوله (مَن كان يشتو): ثعلبة بن عوف المذكور.
وأشباه ذلك في الشعر كثير.
وقد فرغتُ مما أردتُّ بيانه في قوله (بِيضٌ مَفارِقُنا)، والله أعلم.
منازعة مع اقتباس
الجلساء الذين شكروا لـ ( صالح العَمْري ) هذه المشاركةَ :