الحديث: هموم التوبة
عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 21-11-2017, 02:48 PM
أبو أريج الهلالي أبو أريج الهلالي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Dec 2015
السُّكنى في: المغرب الأقصى
التخصص : دراسات إسلامية
النوع : ذكر
المشاركات: 29
افتراضي التوبة والخلوة النافعة

الناظر في كتاب الله وسيرة رسوله وأصحابه رضوان الله عليهم ومن سار على طريقتهم من مصابيح الدجى يرى اهتمامهم البالغ بالخلوة والتقليل من فضول الخلطة؛ فهذا نبينا عليه وسلم قبيل البعثة كان حُبِّب إليه التعبد مختليا في غار حراء حتى أتاه جبريل عليه السلام بالوحي، ونبي الله إبراهيم سلام الله عليه هاجر إلى ربه فكان به حفيا واعتزل قومه وما يعبدون من دون الله فوهب الله له إسحاق ويعقوب وعليهما السلام وكلا جعل نبيا، وكان من أمر الصحابي الجليل أبي ذر وغيره ما يعلم من اعتزال الفتنة والهروب بالدين من لهيبها وأوارها، وكان أمر سفيان الثوري وعيشه طريدا فرا بدينه ما اشتهر وتواتر، والإمام أحمد كان يتمنى مكانا يعبد الله فيه وحده..نعم كانت قلوب الصالحين الأولياء تضيق بكثرة الخلطة وتمجها قلوبهم مجا لاسيما إذا عم الهرج وتلاطمت أمواج لجج الفتن واختلط الحابل بالنابل..
لا يقصد من عزلة الناس الخلوة بالجبال والرهبانية المذمومة المبتدعة، إنما وِردٌ من أيام يلجأ إليه السائر إلى الله كلما طرقت قلبه قسوة، وأنست نفسه بالمخلوق وتكاسلت وتقاعست عن السير؛ وذلك أضعف الإيمان..
لهذا يندب للراغب في تجديد الإيمان في قلبه وتصحيح توبته الهرع إلى الخلوة بالله جل وعلا بهذه النية نيةِ تقويم السير وتجديد النفَس، فيتوضأُ ويحسن الوضوء ويتطيب ويلبس أحسن ما يجد (وكان لبعض السلف ثوب خاص بقيام الليل)، في ساعة مباركة كثلث الليل الآخر، ويصاف قدميه بين يدي خالقه ويتملقه بالمناجاة والدعاء ولسان حاله : أي ربي! هذا عبد ذليل بفنائك، أثقلته الذنوب وأثخنته جراح الغفلة، يسألك مسألة المسكين ويبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، أي إلهي! تب علي، أي ربي! خذ بيدي إليك، يا غفار الذنوب، ويا ستير العيوب خذ بناصيتي إلى البر والتقوى وليطل ما شاء الله، وليبكِ وإن لم يستطع فليتباكَ، وليثق في سعة رحمة الله وفضله، فإنه جلت قدرته يستحيي ردَّ يدي عبده السائل صفرا، فكيف وهو راغب في القرب وطامع في الأوبة؟! حاشاه حاشاه ما وجده المخلصون إلا كريما جوادا..
نعمْ يواظب التائب على أخذ حظه من الخلوة وكثرة التعبد حتى تستقيم له نفسه على العبادة والإبحار في أنوار الطاعة والقربى، وليكن قائده في ذلك كله كتاب الله جل وعلا فإنه الروح والنور الذي ما اقتبس منه قلب إلى أضاء وما تمسك بحبله متمسك إلا قاده إلى بر الأمان..
فالله الله في الخلوة بالله فإنها نعم المعين على صحة التوبة واستقامة القلب على الطريق ..
هذا وإنما الموفق من وفقه الله..
منازعة مع اقتباس