الحديث: هموم التوبة
عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 29-11-2017, 03:03 PM
أبو أريج الهلالي أبو أريج الهلالي غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Dec 2015
السُّكنى في: المغرب الأقصى
التخصص : دراسات إسلامية
النوع : ذكر
المشاركات: 29
افتراضي الدعاء والتوبة

لاشك أن مقادير الأمور بيد الله فهو الخالق والمدبر ولا تصرف لأحد كائنا من كان في خلقه إلا بإذنه، هو المعطي، وهو القابض، وهو الباسط تبارك وتقدس..ولا تُستنزَل رحماته وفتوحه بشيء أعظم من سؤاله ودعائه..وهو جلت قدرته يغضب إذا لم يُسأل، ومعاني أسمائه تتجلى عندما يُسأل، فترى آثار ومعاني التواب إذا تاب، والغفور إذا تجاوز عن المخطئ، والرزاق إذا رزق، والمعطي إذا أعطى وهكذا تظهر آثار أسماء الله على العبد بقدر تعبده بها وسؤاله إياه بها.
واتصالا بموضوع التوبة النصوح وهمومها وطرق تحصيلها وتحقيقها، ثَمَّ أمر مهم هو أسُّها وأسَاسُها، وركنها الركين : إنه الدعــــــاء وما له من أهمية في الثبات على التوبة.
الله من أسمائه التوَّاب، أي الذي يتوب ويأذن بالتوبة على العصاة، هو الذي يتفضلُ على المقصر فيرجع ويؤوب سبحانه جل شأنه، فلا طريق ولا باب لتحقيق التوبة النصوح إلا باب سؤاله ، ولا فتح أعظم من أن يوفق العبد لرفع يديه إلى السماء داعيا منيبا، سائلا مبتهلا، باكيا متذللا..
باب التوبة مفتوح على مصراعيه حتى تطلع الشمس من مغربها، وربنا يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، لكنَّ كمال الأدب مع الله بعدما أمر فخولفْ ، ونهى فتُجُرِّئَ عليه، أن يُسأَل ويُلحَّ عليه في الدعاء، مع استصحاب كمال الذل والتعظيم والاستحياء...
شأن الدعاء في الدين عظيم، وهو رحى العبودية؛ وهو منزلة سامية لازمة للتائب في سيره إلى الله، لأن قلبه لا تحصل له قوة، ولا لسيرِهِ صحةٌ إلا إذا كان الاستمداد من الله سبحانه، وكل تفريطٍ في سؤاله وتوانٍ في رفع أكف الضراعة إليه يؤول إلى أن يوُكَلَ العبد إلى نفسه وثَمَّ الهلاك بلا مرية..
كان نبينا يناشد الله في جميع أحيانه ويدعوه، ويلح عليه ويتملقه في ليله ونهاره، والتَّمثيلُ لذلك من سيرته العطرة لا يحيط به وصف ولا يكفي له مقال، ولما كان كامل اليقين أن الدعاء هو باب الله الواسع الذي لا يلجه إلا المقربون كان متواصل الدعوات بعدد الأنفاس، وكانت أدعيته جامعة مانعة.
وعلى هديه سارت تلك الصفوة الفريدة من صحابته وتابعيهم فضربوا أروع الأمثلة في التضرع والدعاء رحمهم الله ورضي عنهم..فكانوا لا يعرفون بابا غير باب السماء ولا يولون وجوههم في السراء والضراء غير وجهة الله ..
أختم بهذا الأثر عَنْ طَاوُوسٍ ، قَالَ :
" إِنِّي لَفِي الْحِجْرِ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، إِذْ دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، فَقُلْتُ: رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْخَيْرِ، لَأَسْتَمِعَّنَّ إِلَى دُعَائِهِ اللَّيْلَةَ ، فَصَلِّي ثُمَّ سَجَد َ، فَأَصْغَيْتُ بِسَمْعِي إِلَيْهِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: " عُبَيْدُكَ بِفِنَائِكَ، مِسْكِينُكَ بِفِنَائِكَ ، فَقِيرُكَ بِفِنَائِكَ ، سَائِلُكَ بِفِنَائِكَ " !! قَالَ طَاوُوسٌ: فَحَفِظْتُهُنَّ ، فَمَا دَعَوْتُ بِهِنَّ فِي كَرْبٍ إِلَّا فُرِّجَ عَنِّي ".

وهذا والتوفيق من الله وحده
.
منازعة مع اقتباس