ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية  

العودة   ملتقى أهل اللغة لعلوم اللغة العربية > الحلَقات > مكتبة أهل اللغة > أخبار الكتب وطبعاتها
الانضمام الوصايا محظورات الملتقى   المذاكرة مشاركات اليوم اجعل الحلَقات كافّة محضورة

منازعة
 
أدوات الحديث طرائق الاستماع إلى الحديث
  #1  
قديم 07-07-2010, 03:28 PM
رائد رائد غير شاهد حالياً
رسول الملتقى
 
تاريخ الانضمام: Nov 2008
التخصص : أخبار اللغة
النوع : ذكر
المشاركات: 168
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 74 مرة في 44 حديث
افتراضي قراءة في العدد (69) من مجلة آفاق الثقافة والتراث - محمد بوفلاقة ( مقال )

قراءة في العدد (69) من مجلة آفاق الثقافة والتراث
بقلم:أ.د.محمد سيف الإسلام بـــوفـــلاقــــة



صدر حديثاً عن قسم الدراسات والنشر والعلاقات الثقافية بمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي،بدولة الإمارات العربية المتحدة، العدد69 من مجلة آفاق الثقافة والتراث؛ وهي مجلة فصلية ثقافية تراثية،يعود تاريخ صدور العدد الأول منها إلى شهر(محرم1414هـ/يونيو-حزيران1993م). ويدير تحريرها حالياً الأستاذ الدكتور عز الدين بن زغيبة؛ مدير مركز جمعة الماجد بدبي، وأمين سرها الأستاذ الدكتور يونس قدوري الكبيسي، وتتكون الهيئة العلمية للمجلة من: الدكتور حاتم صالح الضامن، والدكتور محمد أحمد القرشي، والدكتورة أسماء أحمد سالم العويس، والدكتورة نعيمة محمد يحيى عبد الله.
وتعد هذه المجلة من المجلات العربية البارزة التي أضاءت سماء الفكر والإبداع و المعرفة ،وفتحت دروباً للنقاش والحوار العلمي العميق والرصين، وامتازت بحضورها على الساحة الثقافية بمواضيعها وأبحاثها العميقة والجادة التي تحاول الممازجة بين الماضي والحاضر،لتضمن التواؤم بين القديم والجديد، وتجمع بين الأصالة والمعاصرة، من خلال معالجة القضايا الثقافية المعاصرة التي يعود بحثها بالفائدة على الثقافة العربية والإسلامية، وتُسهم في تجاوز المشكلات الثقافية الراهنة،وتسلط الأضواء على القضايا التراثية والعلمية،التي تسهم في تنمية الزاد الفكري والمعرفي لدى الإنسان العربي المسلم، وتهدف إلى إثراء الثقافة العربية الإسلامية بالجديد.
واشتمل العدد69،الصادر حديثاً على مجموعة من المقالات، والأبحاث والدراسات القيمة؛فمن خلال افتتاحية العدد تناول الأستاذ الدكتور علي عبد القادر الطويل؛ رئيس قسم الدراسات والنشر والعلاقات الثقافية بمركز جمعة الماجد،موضوعاً بعنوان:«الأسلوب والنَّظم القرآني بين الأصالة والحداثة»،أكد من خلاله على أن من يمعن النظر في النظم القرآني يُلفي علاقة وثيقة بين الدرس البلاغيّ القديم والدراسات اللسانية المعاصرة؛ وهذا ما يُعطي لتراثنا الفكري العربي قيمة وأصالة، ويزيدنا وعياً بالظاهرة الأدبية البلاغية العربية،وقد قدم الباحث عدة أمثلة على هذا الموضوع فأشار إلى نظرية النظم التي أرسى قواعدها الشيخ عبد القاهر الجرجاني، فقد أضحت هذه النظرية جزءاً أساسياً مكيناً من تراث أمتنا اللغوي والأدبي الزاخر،فأصبح بإمكاننا الاستقاء من كلا المعنيين من أجل فهم النص بوعي أكمل، وعمق أكبر،وقد عرج الباحث على أبرز من تطرق لنظرية النظم من الدارسين المعاصرين، فعرض وجهة نظر الدكتور محمد مندور الذي يرى بأن مذهب عبد القاهر أصحّ مما جاء به علماء اللغة في أوروبا،وكذلك تعرض لرؤية الناقد البنوي الدكتور كمال أبو ديب الذي يرى فقر الفكر اللغوي الغربي،أمام الفكر العربي، ويرى بأن التراث اللغوي الغربي هو جزء من التراث اللغوي العربي،كما أشار الباحث إلى أن بعض الدراسات الحديثة التي وجدت تشابهاً بين نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني، ونظرية تشومسكي في التوليد والتحويل.
وتعرض الباحث الأستاذ الدكتور رشيد كهوس أبو اليسر، من جامعة محمد الأول بوجدة بالمغرب الأقصى لموضوع :«طرائق استنباط السنن القرآنية»،قدم من خلاله العديد من الأمثلة والنماذج لكيفية استنباط السنن القرآنية،فأشار إلى نماذج استخراج السنن واستنباطها على وجه التفصيل،ومن أبرز ما عرضه في هذا العنصر: ورود لفظة(سنة) وما اشتق منها، وورود لفظة(جَعَلَ) وما اشتق منها في سياق الأفعال الإلهية،بالإضافة للاستفسارات الاستنكارية، وقدم مثالاً في هذا الموضوع بقوله في استفسار استكاري :  أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ،وتعرض الباحث لورود فعل الله-جل جلاله- مع تعليله، وقد عرض لعدة حالات في هذا الموضوع، من بينها أن يذكر الله-جل جلاله-فعله مُعللاً إياه بحرف من حروف التعليل، وأن يرد في القرآن الكريم فعلان يفرق بينهما بالحكم بذكر الصفة ويكون التفريق بينهما بلفظة الاستدراك(لكن)، وورود فعل الله-- في سياق الجملة الشرطية، وورود فعل الله--أو امتناعه منوطاً بغاية،وترتب الجزاء من الله –-أو امتناعه منوطاً بحال،وقدم الباحث عدة نماذج لاستخراج السنن واستنباطها على وجه الإجمال،وفي هذه الحالة أشار الباحث إلى أنها تستخرج من القصص القرآني،فقدم عدة أمثلة من قصص وردت في القرآن الكريم من بينها قصة قبيلة(سبأ) التي أنشأت حضارة قوية في اليمن،كما قدم الباحث العديد من الأمثلة التي استخرجها من الأمثال القرآنية، ومن الآيات التي ورد فيها ربط النتائج بالمقدمات، وقد أشار في الأخير إلى أن ما خفي من سنن الله أعظم، وأبعاد سنن الله المطردة لا متناهية، وقد ختم الباحث مقاله بقول الدكتور محمد رشاد خليل:«وسنن الله كثيرة لا تقع تحت حصر،منها ما نعرفه ومنها ما نجهله وقد نعرفه بعد البحث، ومنها ما لا يحيط بعلمه إلا الله(...)ذلك أن السنن ليس ما نعرفه فقط، وإنما ما لا نعرفه أيضاً، وما لا نعرفه أكثر كثيراً مما نعرفه».
وأما الباحث الأستاذ الدكتور عبد الرزاق عبد الرحمن السعدي، من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا،فنقرأ له مقالاً موسوماً ب:«ضوابط اللغة العربية في مكونات المجتهد»،رأى من خلاله أن الأصوليين والفقهاء ممن قرروا شرط الاجتهاد والإفتاء لم يختلفوا في أن اللغة العربية ضرورة تشكل واحداً من مكونات المجتهد ولوازم المفتي،بيد أن آراءهم اختلفت وتباينت بشأن المستوى المطلوب الذي ينبغي أن يصل إليه المجتهد ويتصف به المفتي من اللغة العربية،فتساءل الباحث:هل يكفي أن يعلم مبادئ العربية دون تبحر فيها؟أم أنه لا يكون أهلاً للاجتهاد والإفتاء إلا من خلال الإبحار في لجج اللغة والغوص في أعماقها؟ثم أيٌّ من الفنون العربية المتنوعة ينبغي أن يتمكن منها المجتهد ويتعرف عليها المفتي؟ فهناك نحوٌ وصرفٌ ولغةٌ وأدبٌ وبلاغةٌ، وغيرها من العلوم العربية،فأيٌ منها يطالب باستيعابها حتى يصح اجتهاده وتقبل فتواه؟
وقد سعى الباحث من خلال هذا المقال إلى الإجابة عن هذه الأسئلة،فتعرض لمجموعة من العناصر،نذكر منها:تعريف المجتهد، وشروط المجتهد،وضابط مستوى العربية في المجتهد،وقد عرض في هذا العنصر لخمسة آراء أدلى بها العلماء،فهناك من رأى بأنه لا تحديد للمستوى، وهناك من رأى بتحديد المستوى بحد الكفاية لفهم النصوص، والبعض الآخر رأى ضرورة تحديد المستوى بحد الاجتهاد في اللغة والتبحر فيها،وأكد بعض العلماء على تحديد المستوى بفهم اللغة العربية فهماً صحيحاً،في حين رأى أصحاب الرأي الخامس تحديد المستوى بالوسط، وهذا ما أشار إليه ابن السبكي في جمع الجوامع،وقد توصل الباحث في ختام بحثه لمجموعة من النتائج الهامة،من أبرزها: أن آراء العلماء قد تعددت في عدد العلوم العربية التي ينبغي على المجتهد معرفتها،فأكثرهم ركز على النحو والصرف واللغة والبلاغة، وذهب بعضهم إلى إضافة علم المنطق لوجود مباحث في أصول الفقه تتعلق بهذه العلوم. كما اتضح للباحث أن مباحث أصول الفقه اللغوية التي يمارسها المجتهد في اجتهاده مباحث تتعلق بالنحو والصرف والبلاغة واللغة والمنطق، ولا تتعلق بعلوم العربية الأخرى،كالعروض وتاريخ الأدب وغيرهما،لذا لزم معرفة هذه العلوم التي هي آلة لاجتهاده. وقدم الباحث في ختام بحثه مجموعة من التوصيات والمقترحات،من أهمها: أنه لابد من تعميق الدراسات اللغوية بأنواعها في أقسام الكتاب والسنة وأقسام الفقه وأصول الفقه وإعداد منهج مناسب في علم النحو والصرف واللغة والبلاغة،لتدريسه لطلبة تلك الأقسام،كما أشار إلى ضرورة تدريس المنطق العربي الإسلامي لطلاب أقسام اللغة العربية، والكتاب والسنة، والفقه وأصوله. ولابد من استحداث مادة لطلاب الدراسات العليا خاصة بشروط المجتهد ومواصفاته بالتركيز على علوم اللغة العربية.
وأما الأستاذ حسني عبد المعزّ عبده عبد الحافظ من الدقهلية بمصر،فقد أفرد مقاله للحديث عن موضوع يعد مثار جدل، وقد سبق الخوض فيه،بيد أنه لا يزال يستحق الدراسات تلو الدراسات نظراً لأهميته،وهو موضوع يتصل بأسبقية الرحالة العرب في ولوجهم للقارة الأمريكية، وقد عنون مقاله ب:«رحلات المغامرين العرب في المحيط الأطلسي-دلائل الولوج إلى الأمريكيتين قبل كولومبس-»،فقد سعى الباحث من خلال هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على رحلات المغامرين العرب في المحيط الأطلسي، وقدم الدلائل والبراهين التي أكدت الوجود العربي الإسلامي في الأمريكيتين قبل كولومبس،فأشار إلى رحلة خشخاش بن الأسود، الذي أشاد به كل من البكري والحميري،فقد أبحر من دلبا(بالوس) في صيف عام:889م(إبان حكم الخليفة عبد الله بن محمد للأندلس، والذي امتد من عام:888إلى 912م)،وقد توغل خشخاش إلى غاية الوصول إلى أرض واسعة مجهولة عاد منها بكنوز كثيرة، وبحسب رواية المسعودي،فإن خبر خشخاش مشهور عن أهل الأندلس، وقد أكد المؤرخ الإسباني خوان بيرنيط على الأهمية الاستثنائية لرحلة خشخاش،وذكر أنه ربما وصل إلى الشواطئ الأمريكية،وأشاد بها المؤرخ الروسي أغناطيوس يوليا نوفتش كواتشكوفسكي.وأما الرحلة الشهيرة التي قدمها الباحث كدليل على وصول الرحالة العرب إلى الأمريكيتين فهي رحلة أولئك الشبان الثمانية، والتي عُرفت برحلة المغررين،أي المخاطرين،فقد ذكر خبرهم كل من المؤرخين أبي حامد الغرناطي، وكذلك الإدريسي الذي أشار إلى أن خروجهم كان من بحر لشبونة،كما وصف الإدريسي بدقة الأهوال والمصاعب التي لقوها في رحلتهم،حتى كادت أن تهلكهم،وقد كتب العلاّمة مصطفى الشهابي دراسة قيمة حول هذه الرحلة،أكد فيها أن هؤلاء الشبان نجحوا بالفعل في الوصول إلى إحدى جزر أمريكا الجنوبية.كما أشار إلى رحلة المسلمين الأفارقة، ومن بينها: رحلة ابن فاطمة، ورحلة أبو فرّوج الغرناطي، ورحلة زين الدين علي بن فضل المزندراني،وقد توصل الباحث إلى أن وصول العرب والمسلمين إلى العالم الجديد لم يعد أمراً مشكوكاً فيه، وهذا ما أشار إليه الدكتور جيفر يزر،أستاذ العلوم الأثرية في جامعة(ويتراتر ستراند) بجنوب إفريقيا،بعد دراسة مستفيضة أجراها سنة:1955م،أكد من خلالها على أنه:«من الخطأ نسب اكتشاف أمريكا إلى كولومبس،لأن العرب هم في الواقع الذين اكتشفوها،قبله بمئات السنين»،وقد قال جيفر يزر بأنه قد عثر هياكل بشرية،جلها يعود إلى أشخاص ذوي أصول عربية،أتوا من شرق إفريقيا، واستوطنوا البرازيل،وقد حذا حذوه عالم الأجناس الدكتور ماسوري،فأشار إلى أنه على يقين بوصول العرب إلى العالم الجديد قبل كولومبس ب:500 سنة على الأقل، وقال بأنه قد توصل إلى ذلك بعد عثوره في كهوف(الباهاما) بخليج المكسيك،على جماجم تعود لسكان عرب،استوطنوا المنطقة قبل500سنة على مجيء كولومبس.
وتطرق الباحث السوري الدكتور سمر روحي الفيصل،الأستاذ بجامعة الإمارات،من خلال بحثه لسيرة العلاّمة اللغوي ابن دريد الأزدي، وإنتاجه الأدبي واللغوي،فأكد أنه واحد من من أبرز أعلام القرنين الهجريين الثالث والرابع، وقد اتصف بالوفاء لأساتذته، وقد خلف أثراً إيجابياً في عدد كبير من تلاميذه، فقد قدم إنتاجاً جديداً نافعاً ضمن له البقاء والمحافظة على الأهمية في التراث العربي الإسلامي،فليس غريباً أن يحرص المعاصرون،عرباً ومستشرقين،على تحقيق ما يملكون من مخطوطات كتبه ورسائله، وأن يستمروا في البحث عن مخطوطاته التي عرفوا عناوينها دون أن يتمكنوا من العثور عليها، وقد أشار الباحث إلى أن الجهود الطيبة التي بذلها المحققون المعاصرون نجحت في إحياء ابن دريد الأزدي العُماني، وفي تشجيع الباحثين على دراسة سيرته وجهوده الأدبية واللغوية،إلى درجة أن المرء يكاد يعتقد-أول وهلة- أن المقدمات التي كتبها المحقِّقون، والدراسات التي ألفها الباحثون،أحاطت بجهود ابن دريد كلّها، ولم تُبق شيئاً يمكن أن يقال في هذا العالم الموسوعي،بيد أن النظرة الكلية إلى هذه المقدّمات والدّراسات تنفي هذا الاعتقاد، وتُرسخ مقولة مغايرة،هي أن الدارسين لم يحيطوا بعد إحاطة علمية منهجية بما قدمه ابن دريد في حقلي الأدب واللغة.
وانطلاقاً من هذه المعطيات حاول الباحث أن يُقدم دراسة علمية منهجية لإنتاج ابن دريد الأدبي واللغوي،فهو يرى أنه لابد من تحليل شعر ابن دريد منفصلاً عن الرواية واللغة،فشخصية ابن دريد تضم ثلاثة جوانب معرفية متباعدة، ولا تضم تجليات لشخصية إبداعية واحدة لا تتجزأ،فتعرض لثلاثة عناصر رئيسة هي:
ابن دريد الشاعر:فأشار في هذا العنصر إلى أن الشعر الذي نعرفه عن ابن دريد الأزدي يقتصر على الأمرين الآتيين:الأمر الأول وهو المقصورة، وهي الأرجوزة الطويلة ذات الروي المقصور، وقد اختلف في ترتيب أبياتها، وفي عددها.وأما الأمر الثاني فهو ديوان ابن دريد الأزدي،حيث ذكر القِفطي في:«إنباه الرُّواة على أنباه النُّحاة» أن هناك ديواناً ضخماً لابن دريد في خمسة أجزاء، ولكن هذا الديوان ضاع في جملة ما ضاع من تراثنا العربي،وما عُرف بديوان ابن دريد فهو لا يعدو أن يكون مجموعة من القصائد، والمقطوعات، والأبيات، التي ذُكرت في مختلف كتب الأدب، وقد نهض بعبء استخراجها من مظانّها وترتيبها السيد محمد بدر الدّين العلوي سنة:1946م، وقد حوى هذا الديوان تسعاً وستين قصيدة ومقطوعة لابن دريد،سماها العلويّ: ديوان ابن دريد، ورتبها بحسب رويّها ابتداءً بالهمزة وانتهاءً بالياء، وذيلَّها بالمربَّعة وبثلاث مقطوعات وباللاميّة، وفي سنة:1973م أعاد عمر بن سالم ترتيب القصائد والمقطوعات بحسب موضوعاتها ترتيباً ألفبائياً بحسب رويّها، وقد ضم هذا الديوان الشعر الذي جمعه العلوي،إضافة إلى القصيدة المثلَّثة، ومقطوعة من أربعة أبيات،عثر عليهما ابن سالم، وأضافهما إلى الديوان الذي صنعه. وقد أشار الباحث إلى أنه بالمقارنة بين المقصورة والديوان،فإن الإجماع يقع على أن المقصورة هي أهمّ إنجاز شعريّ لابن دريد،وتليها في الأهمية ثلاث قصائد من الدّيوان، هي المربَّعة والمثلَّثة والهمزيّة.وقد لقيت المقصورة اهتماماً كبيراً منقطع النظير من قبل القدامى، تجلى في معارضتها وشرحها، وإعرابها، وتخميسها، وتسميطها. وامتدَّ الاهتمام بالمقصورة إلى المعاصرين فحلّلوها،ومن بينهم: مصطفى السّنوسيّ، وأحمد درويش، بل إن أحمد عبد الغفور خصَّها بكتاب مستقل،كما خصَّها مؤتمر ابن دريد الأزديّ الذي عقدته جامعة آل البيت الأردنيّة وسفارة سلطنة عُمَان في الأردن بمحور خاص.
ومن خلال العنصر الثاني الذي قدمه الباحث، والموسوم ب:« ابن دريد الرّاوية»،أشار الباحث إلى أن ابن دريد قد عُرف بأنه راوية للأشعار والأخبار واللّغة،فقد روى كتباً كاملة من بينها: كتاب النَّبات، وفحولة الشعراء، ومعاني الشِّعر، والقصيدة اليتيمة، ومسالمات الأشراف، وغيرها من الكتب والرسائل التي سمعها ابن دريد من أساتذته،ويرى الدكتور سمر روحي الفيصل أن هذا النّوع من الرّواية يُصنَّفُ في باب وفاء ابن دريد لمن تلقّى العلم عندهم تلقياً مُباشراً كالأشناندانيّ،أو غير مباشر كالأصمعيّ الذي روى ابن دريد كتابه فحولة الشّعراء عن أستاذه أبي حاتم السجِّستاني،وأما الكتب الأخرى التي رواها ابن دريد،فالدافع الرئيس لذلك هو رغبته في الحفاظ على تلك الكتب،التي كان مصيرها الضياع لولا روايته لها، وهذا يدل على الأعمال الجليلة، والخدمات الجمة التي قدمها ابن دريد بغرض إحياء تراث أساتذته،وهو ما تجلى فيما بعد مع أعماله التي حافظ تلاميذه عليها، ونهضوا بعبء رواية كتبه.
وبالنسبة للعنصر الثالث،فقد خصه الباحث للحديث عن:« ابن دريد اللغوي»،فأكد على أن نزوع ابن دريد إلى التّجديد واضح جدّاً في عمله اللّغويّ،غير أن بعض معاصريه لم يُقدر ذلك، ويُنعم النظر في مؤلفاته اللغوية، فراح يكيل له التُّهم، ويصفه بما يحطُّ من مكانته اللغوية،ومن أهم جهود ابن دريد اللغوية التي بذلها رغبته في أن يتعرَّف تلاميذه على اللغة عن طريق آثارها الأدبيّة،فكتب لهم كتاب:«المجتنى»،وقد حرص فيه على تقديم فنون شتى من الأخبار والألفاظ والأشعار والمعاني والحِكم والأحاديث،بأسلوب يتسم بالإيجاز، والدّقّة، والوضوح،وهدف ابن دريد من تأليف كتاب:«المجتنى» لم يصل إليه بعض معاصريه،فحكموا على الكتاب بأنه رسالة أخبار وأشعار وطرائف،بينما غفلوا عن أسلوب ابن دريد في رواية هذه الأخبار القائم على تقديم الآثار اللغوية المعترف بفصاحتها وجمالها لتكون مثلاً أعلى بلاغيّاً يحتذيه القرّاء العرب، وهو نفس الهدف الذي سعى إلى تحقيقه من خلال تأليفه لكتابي:«صفة السّرج واللِّجام»، و«وصف المطر والسَّحاب وما نعته العرب الرُّواد من البقاع»،إذ رغب في أن يكون هذان الكتابان رسالتين صغيرتين تُمهدان لصناعة معاجم المعاني التي تطرح الموضوع ثم تروح ترصد الألفاظ العربية المرتبطة به.كما ألف ابن دريد كتاب:«الملاحن»،وقد أبان في مقدمته عن غرضه من تأليفه فقال:«ليفزع إليه المجبر المضطهد على اليمين،المكره عليها،فيعارض بما رسمناه، ويُضمر خلاف ما يُظهر ليسلم من عادية الظّالم، ويتخلّص من جنف الغاشم»، وهذا ما يُفهم منه أن غرض ابن دريد وهدفه هو هدف تعليمي،لم يرغب في أن يتنصل منه. ورأى الدكتور سمر روحي الفيصل أن معجم:«جمهرة اللغة» يقترن الحديث عنه بثلاثة أمور،وهي:الرِّيادة في الصناعة المعجمية،والارتجال، والنُّزوع إلى التّجديد.وقد تجلت ريادته من حيث إن معجم:«جمهرة اللغة»،هو ثاني معجم لغوي في تاريخ المعاجم العربيّة بعد معجم« العين »للخليل بن أحمد الفراهيدي، وأما الارتجال فالمراد به لجوء ابن دريد إلى إملاء معجمه استناداً إلى سعة محفوظه من اللّغة، ودقة ذاكرته،دون الرجوع إلى الكتب في غير الهمزة واللَّفيف. وهذا ما نقله تلميذه إسماعيل بن عبد الله الميكالي. وأما نزوع ابن دريد إلى التجديد، فهو نزوع أصيل في مؤلفاته كلّها،إذ منح الجمهرة ميزة التَّقدم خطوات في الصِّناعة المعجميّة، وقيدها في الوقت نفسه برؤى لغوية لا يمكن تعميمها في أي معجم لغويّ. وقد رأى الباحث في ختام البحث أن النُّزوع إلى التّجديد هو مفتاح شخصيّة ابن دريد في شعره وروايته الأخبار، وعمله اللغويّ. ولا فائدة كبيرة من البحث في الجزئيّات التي تجلّت فيها موهبته إذا لم يكن هذا المفتاح دليلاً على اختراقه السّائد في ثقافة معاصريه، وتقديمه الجديد المفيد الذي يتخطَّى عصره إلى العصور اللاحقة.ولا أهميّة للمفتاح نفسه إذا اعتقدنا أنّ كلّ أعمال ابن دريد جديدة.فالمبدع ينجح حيناً، ويخفق أحياناً، ولكنّه يستمرُّ دائماً في الإنتاج،بعيداً عن القادحين والمادحين.
ويضعنا الباحث الأستاذ زيدان عز الدين عللوه من رأس الخيمة بالإمارات العربية المتحدة في صورة الفن الخطابي في التراث النقدي،وذلك من خلال مقاله الموسوم ب:«الفن الخطابي في التراث النقدي-حـفر في ذاكرة المصطلح-»،وقد سعى الكاتب من خلال هذا المقال لرسم خارطة للتصور المنهجي من خلال البحث في ذاكرة المصطلح،فقدم في البدء جملة من الأسئلة:هل وُفق التراث النقدي في وضع تعريف مناسب للخطابة؟ وهل كان هذا التعريف مجملاً عائماً أم كان تعريفاً فاصلاً يتسم بالحدية والدقة؟
وقد عرض الباحث موضوعه،وفقاً لمنهجية سليمة،حيث وقف في البدء على المفهوم اللغوي والاصطلاحي للخطابة،ثم تطرق لمجموعة من العناصر الهامة، انطلاقاً من الجهود اللغوية والنقدية في التأطير النظري لفن الخطابة،ثم ألقى الضوء على عناصر عملية الاتصال الخطابي،والتي هي عبارة عن نسق لغوي شفوي يتم من خلاله بث رسائل سياسية أو دينية أو اجتماعية بغرض الإقناع، وهذا النسق اقترن وجوده بوجود مجتمع يتفاعل أفراده، ويتبادلون الآراء والأفكار ويعبرون عن أغراضهم، ومقاصدهم، ومشاعرهم،وعقائدهم، وتجري هذه العملية بين المتلقي والخطيب الذي يبتكر حجة يقدمها في شكل قول للجمهور، وهدف الخطيب المبدع هو أن يعكس صورة إيجابية عن نفسه، وأن يشجع المتلقين على تقبله،وقد استفاض الباحث في شرحه للعناصر الأساسية لعملية الاتصال الخطابي،فتعرض في البدء للخطيب،بصفته المبدع الذي ينتج السياق النصي، ويكون مرتبطاً بموقف سائد،أو مراقباً لحدث، أو ظرف يستدعي منه موضوع الخطبة،والعنصر الثاني هو النص، الذي يُنظر إليه كونه مجموعة من المتواليات اللفظية،أو الطاقة اللغوية التي يفجرها الخطيب أمام جمهوره بصورة تحقق شروط التماسك والانسجام وتأدية المعنى، وتبدو من خلاله الوظيفة الأدبية للغة التي يشيعها المبدع في ثنايا النص،مشحونة بالعاطفة والعلاقات الدقيقة اللغوية المتناسقة، ويتميز النص الخطابي بانفتاحه، وثرائه، وتنوع دلالاته،واتساعه للكثير من التفصيلات،وأشار الباحث إلى أن وحدة الغرض، أو الوحدة الموضوعية،هي أهم سمات النص الخطابي في تاريخ الأدب العربي،ولعل ابن المقفع هو أول من سجل ملاحظاته حول صفاء النص الخطابي، ووحدة الغرض فيه،وأهم العوامل التي شكلت وحدة الغرض في النص الخطابي العربي هو الإيجاز، وقصر الفقرات،وهذا ما أشارت إليه الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي أمرت الخطيب بتقصير السياق النصي للخطبة،وقد توصل الباحث في ختام عرضه لهذا العنصر أن النص الخطابي الإسلامي كان منسجم الأفكار، منسق العبارات، واضح المقصد والهدف،ويتجنب الألفاظ المبهمة الدلالة،ويبتعد عن المعاظلة في التركيب، وقد شذت بعض النصوص عن هذا التصور، ومن شواهد هذا الشذوذ ما رواه ابن قتيبة من أن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي قد أكثر، وأطنب في خطبته التي يؤيد فيها جعل ولاية العهد ليزيد بعد معاوية.
وأما المتلقي فهو الشخص الذي يوجه إليه الخطاب، وهو الذي إليه تحيل الغاية ،أو الهدف من الخطبة-على حد التعبير الأرسطي-، وقد وضع«يوس»،و«آيزر» رائدا مدرسة«كونستانز»الألمانية هيكلاً نظرياً لما يُسمى بجمالية التلقي، وهي نظرية توفيقية تجمع بين جمالية النص، وجمالية تلقيه،استجابة إلى تجاوبات المتلقي ، وردود فعله باعتباره عنصراً فعالاً وحيّاً،يقوم بينه وبين النص الجمالي تواصل وتفاعل فني،ينتج عنهما تأثر نفسي ودهشة انفعالية،ثم تفسير وتأويل،فحكم جمالي استناداً إلى موضوع جمالي ذي علاقة بالوعي الجمعي.
ولا ريب في أن الخطباء المسلمين قد أجادوا أيما إجادة في حسن التخلص، وعرض الحجج العقلية، والدينية، والأقيسة المنطقية،وقد عبرت شهادة مالك بن دينار-الزاهد المعروف- في حديثه عن الحجاج تعبيراً صادق إذ رُوي عنه قوله:«ربمّا سمعت الحجّاج يخطب ويذكر أهلَ العراق وما صنعَه بهم، وما صنعوا به،فيقع في نفسي أنّهم يظلمونه، وأنّه صادق لبيانه، وحُسن تخلُّصه بالحُجَج».وقد احترم الخطيب المسلم رغبات جمهوره الذي كان يهتز لسماع الكلمة المنتقاة،لذلك كان بعض الخطباء يتخيرون ألفاظهم،ويحبّرون خطبهم من غير تكلف إرضاءً للجمهور،فقد روى الطبري عن الخليفة عمر بن الخطاب-- قوله في مجتمع سقيفة بن ساعدة:«أتيناهم وقد كنت زوّيت كلاماً أردت أن أقوم به فيهم...».،ورُوي عن الخليفة عثمان-- أنه صعد المنبر يوماً ليخطب فأرتج عليه فقال:«إن أبا بكر وعمر كانا يُعدان لهذا المقام مقالاً، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب».
كما تعرض الباحث لموضوع التداخل بين آليات الفنون الشفوية،فأشار من خلال هذا العنصر إلى أن الكثير من الباحثين اندفعوا إلى جعل الوصية، والمناظرة نوعين من أنواع الخطابة، ورأى بأن الباحث أحمد زكي صفوت كان من أوائل الباحثين العرب المحدثين الذين أدخلوا الوصايا والمناظرات في باب الخطب، وتبعه في ذلك بعض الدارسين مثل:الدكتور إحسان النص،الذي جعل الخطابة أبواباً متنوعة. وقد تعرض الباحث للسمات الفاصلة والجامعة بين فني الخطابة والوصية،فرأى أن السمات الجامعة تظهر من حيث إن هناك تشابهاً بين هذين الفنين على المستويين الوظيفي والبنائي، وتتضح السمات الفاصلة كذلك من حيث التباين بينهما في الوظيفة والبناء.وعرض للسمات الجامعة والفاصلة بين فني الخطابة والمناظرة، وفي ختام البحث قدم الباحث أهم النتائج المتوصل إليها،فأشار إلى أن هناك جُهوداً بُذلت للتأطير النظري للخطابة،غير أن بعض النقاد قد مالوا إلى دمج آليات الفن الخطابي بنسيج الفن الكتابي تارة، ونسيج الفنون النثرية الشفوية تارة أخرى،لذلك فالباحث سعى إلى وضع الحدود الفاصلة بين الفنون، وحاول كشف ما في الآليات البنائية والوظيفية للفن الخطابي من تميز وتفرد، وعلى الرغم من أن الجهود النقدية لم تأت بتعريف حدي فاصل للخطابة إلا في مرحلة متأخرة من حياة النقد العربي،غير أن تفحص النصوص اللغوية والنقدية أظهر أن الخطابة فن من الفنون اللسانية الذرائعية التي تحقق وظائف نفعية، وقد أسهمت جهود الجاحظ على وجه التحديد بتوضيح طبيعة النص الخطابي العربي السائد في عصره، وعصور الأدب التي سبقته، كما أشار الباحث إلى أن النقاد قد أرسلوا الكثير من الإشارات التي تساعد على توضيح أركان عملية الاتصال الخطابي، وتحديد عناصرها، ومكوناتها الأساسية،كما نبه النقاد إلى العفوية التي يتسم بها الخطيب العربي،علاوة على ما يكشف عنه السياق النصي من أصباغ فنيّة مختلفة أضافها الكُتّاب إلى اللفظ، فتمازجت فيما بينها تمازجاً دفع الرّتابة عن الأسلوب، وحقّق انسجاماً مع ما تقضيه السليقة السليمة، ووفر للخطيب اتساقاً مع الطبع الصحيح.
وتناول الباحث الجزائري الأستاذ محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة من عنابة،موضوع:«الأدب المقارن والعولمة-تحديات وآفاق-»،فتعرض في بحثه،لمختلف التحديات التي تواجه الأدب المقارن في ظل العولمة، التي تسعى إلى إدراج العالم في خانة واحدة ،إذ أنها تهجم هجماتها الشرسة على الساحة الثقافية، والفكرية،وتحاول طمس الخصوصيات الثقافية، ومحو التراث الحضاري،والسمات الذاتية الخاصة، التي يتميز بها أدب وفن كل حضارة من الحضارات،وتحاول أن تدجنها في إطار واحد، وتدرجها في زاوية محددة،متصدية بذلك لجماليات التنوع والاختلاف الثقافي بين شعوب وأمم المعمورة،كما سلط الضوء على الآفاق ،فقدم مجموعة من الاحتمالات التي يمكن أن تحدث تحولات في عمل المقارنين في ظل العولمة، وقد أشار الباحث في البدء إلى أن هناك شبه إدانة تلقي بظلالها على نطاق واسع في أوساط المقارنين، نظراً للمرحلة الصعبة التي يمر بها الأدب المقارن، وهو ما حذا بالكثير من المهتمين أن يتساءلوا عن جدوى وآفاق و مستقبل الأدب المقارن في ظل العولمة،كما أشار إلى أن هناك مخاوف جمة تساور المقارنين في مختلف أنحاء العالم، من أن يتحول الأدب المقارن إلى نقد ثقافي مقارن، وقدم سيف الإسلام بوفلاقة في البدء مفاهيم عامة ولمحات متنوعة عن الأدب المقارن والعولمة، فمن خلال العنصر الأول والموسوم ب:«الأدب المقارن:مفاهيم ورؤى»،أشار إلى أن مفاهيم الأدب المقارن قد تعددت، وتنوعت،بتنوع وتعدد المدارس من قطر إلى آخر، وقدم في البدء مفهوم المدرسة الفرنسية والتي ظهر بها هذا العلم لأول مرة،سنة:1827م،والتي يرى أصحابها أن الأدب المقارن هو العلم الذي«يبحث ويقارن بين العلاقات المتشابهة بين الآداب المختلفة في لغات مختلفة،أي أن مجاله أدبي بحت، ولا يحاول الربط بين الأدب وبين الفنون والعلوم الإنسانية التطبيقية الأخرى». وعرج على تعريف المدرسة الأمريكية التي ترى بأنه:« البحث والمقارنة بين العلاقات المتشابهة بين الآداب المختلفة بعضها والبعض الآخر، وبين الآداب وبقية أنماط الفكر البشري من فنون وعلوم،إذ يعتبرون التفكير البشري كلاً متكاملاً ومتداخلاً، ولا يمكن فصل الإنتاج الأدبي عن غيره من أنماط الإنتاج الفكري الأخرى من علوم وفنون، وعلى هذا فهم يعقدون مقارنات بين الاتجاهات الأدبية والاتجاهات الفنية، وبخاصة الموسيقى والغناء على سبيل المثال».كما تطرق لمفهوم المدرسة السلافية، ووصف جيرمونسكي للأدب المقارن،وسلط الأضواء على مختلف الفروقات والاختلافات التي ظهرت بين مختلف المدارس. ومن خلال العنصر الثاني والمعنون ب:«العولمة وأبعادها» أشار الباحث إلى أن الحديث عن العولمة سيظل يزداد، ويتعدد، ويتنوع، ويتعمق يوماً بعد يوم،وكأن لا حدود له، ولا نهايات ،فقد ملأت العولمة الدنيا، وشغلت الناس خلال العقد الأخير من القرن العشرين ،و أُثيرت جملة من الإشكالات والأسئلة،عن مفاهيمها،وآثارها، وانعكاساتها الإيجابية والسلبية، وهذا ما أدى إلى تعدد الرؤى والأفكار ،وتباينها، وحتى تصادمها،وقدم تعريفاً للعولمة بقوله: «العولمة هو ذلك الاصطلاح الذي هب على العالم إثر انتهاء الحرب الباردة واختفاء الاتحاد السوفييتي،ومعه معظم دول الكتلة الشرقية»،وأشار إلى أن العولمة تتبدى كما لو أنها هي الوريث للحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين الغرب والشرق، وكأنما أسباب التطور التلقائي وتوسيع الأسواق قد ولدت فجأة في نهاية الثمانينيات،وهناك اتجاه للنظر إلى العولمة كما لو كانت ظاهرة اقتصادية متعلقة بعولمة الأسواق، وهي نظرة جزئية ذلك أن العولمة تجاوز مفهوم الاقتصاد ،وقد لاقت العولمة اهتماماً بالغاً من قبل الفكر العالمي،حيث إنها أسالت حبراً كثيراً،وأُلفت من أجلها الأسفار الجمة، والمجلدات الضخمة،ولا تزال إلى يومنا هذا تُقدم حولها الأبحاث والدراسات والمناقشات، وتعقد من أجلها المؤتمرات والملتقيات، والندوات،وتطرح بشأنها الأفكار والرؤى».ويرى الباحث بأن أجمع شرح للعولمة وأعمق تفسير لدلالاتها ومضامينها،لا يخرجان عن اعتبار العولمة-في دلالتها اللغوية- هي جعل الشيء عالمياً،بما يعني ذلك من جعل العالم كلِّه وكأنه في منظومة واحدة متكاملة،وهذا هو المعنى الذي حدّده المفكرون باللغات الأوروبية للعولمة (globalization)في الإنجليزية والألمانية،وعبروا عن ذلك في الفرنسية بمصطلح (mondialisation) ، ووضعت كلمة (العولمة) في اللغة العربية مقابلاً حديثاً للدلالة على هذا المفهوم الجديد،ومهما تعدّدت السياقات التي ترد فيها(العولمة)،فإن المفهوم الذي يعبّر عنه الجميع،في جميع اللغات،هو الاتجاه نحو السيطرة على العالم وجعله في نسق واحد،ومن هنا جاء قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة بإجازة استعمال العولمة بمعنى جعل الشيء عالمياً. ومن خلال العنصر الأخير تحدث الباحث عن التحديات والآفاق التي تواجه الأدب المقارن،إذ أشار إلى أن التغيرات العالمية التي شهدتها الإنسانية قد أثرت تأثيرات كبيرة على حركة الدراسات المقارنة، وحدثت تغيرات جذرية،تغيرت معها الأفكار،والرؤى التي طُرحت في المراحل السالفة تغيراً جذرياً، إذ أن الأدب المقارن في القرن الحادي والعشرين، يستقبل هذا القرن بتساؤلات ومجادلات صاخبة حول تحديد منهجه ومنطقه ومنطقته ومستقبله وأدوات بحثه وعلاقاته بالأنظمة الأخرى، ولا يكاد يضاهيه في ذلك أي نظام معرفي آخر، في دنيا العلوم الإنسانية بوجه خاص، ودنيا العلوم بوجه عام. وقد يرجع ذلك إلى حداثة هذا النظام وتفجر الخلافات والنزاعات في داخله وحوله من قبل أن يبلغ رشده ويشتد أزره، و مما ذكره الباحث بشأن مستقبل الأدب المقارن قوله إن المؤتمرات الحديثة للرابطة الدولية للأدب المقارن،وكذلك الرابطة الأمريكية للأدب المقارن بوجه خاص، تدل على قلق بشأن مستقبل هذا النظام المعرفي ومقدرته على التجاوب مع المتغيرات الكبرى للعصر مثل: تفشي الثقافة التكنولوجية، وثورة وسائط الاتصال، والكتابة الحاسوبية والنص المفرع والإنترنت، والواقع الافتراضي والفضاء الافتراضي،وحقوق الملكية الأدبية،ومسائل الأيديولوجيا الجمالية المعاصرة،وطغيان التخصصات المتداخلة والمتقاطعة (وهي ظاهرة ذات طابع مقارني)،وكذلك تأثير الانتشار المذهل للغة الإنجليزية في فعالية الحاجز اللغوي للمقارنة (الذي على أساسه قام الأدب المقارن)، وعلاقة الأدب المقارن بالأدب العالمي، وأخيرا تأثير الثورة التكنولوجية والمعلوماتية في تدريس الأدب بوجه عام،والأدب المقارن بوجه خاص،وقد ناقش الباحث مستقبل الأدب المقارن باستفاضة من خلال تعرضه لثلاثة عناصر رئيسة هي: استمرار حالة الجدل والنقاش والاضطراب حول طبيعة الأدب المقارن وهويته. أو التحويل الكامل أو شبه الكامل لوظائف النظام المقارن وأهدافه إلى الأنظمة الأخرى المشرئبة للمنافسة. أو التطوير الجذري ولكن ضمن الإطار المسمى بالأدب المقارن. وقد ختم الباحث مقاله بإشارته إلى أنه: من خلال التأمل في النتائج المحتملة التي تنجم عن تأثيرات العولمة على مصير الأدب المقارن أو الدراسات المقارنة،فإنه لا ينبغي التقليل من شأن آثار العولمة على الأدب المقارن، فهي تنقسم إلى قسمين:إيجابي وسلبي، ولا ينبغي أن نغرق في التشاؤم، فيمكن أن تُقدم العولمة خدمات جليلة للدراسات المقارنة، ولاسيما إذا نظرنا إلى جانب الثورة المعلوماتية، والاتصالية، ونمو الدراسات المستقبلية، وإن القضية ستظل مطروحة على الساحة الثقافية والفكرية، ويستوجب إنجاز دراسات معمقة ترصد هذه الظاهرة، وتُلفي حلولاً لها، وما يستوجب الوقوف عنده، وإيجاد طرائق للتصدي له هي تلك النزعات الاستهلاكية التي تهدف إلى طمس الخصوصيات الثقافية، ومسح التنوع الثقافي لشعوب المعمورة،وبمسح التنوع الثقافي تُمسح وتختفي الدراسات المقارنة،فلا بد أن تتصدى الفنون والآداب في وجه هذه الرياح العاتية،وتصمد حتى تظل الآثار الأدبية العالمية لشعوب المعمورة خالدة،وبعيدة عن البيع في سوق العولمة الجارفة،وينبغي على المقارنين، وعلى منظمات وهيئات الأدب المقارن العالمية،أن تسعى جادة من أجل أن تُستثمر العولمة كعنصر إنعاشٍ ورقيٍ وازدهار بالنسبة للأدب المقارن،وذلك عن طريق استغلال الثورة المعلوماتية والاتصالات الحديثة،من أجل أن تكون عنصراً فاعلاً في عملية البحث والتنقيب والتعمق في التراث الحضاري للشعوب.
وعنون الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الخالدي من الرباط بالمغرب الأقصى، مقاله ب:«الذوق في العمل الأدبي:خصائص ومقومات»،وقد حاول الباحث من خلال هذه الدراسة القيمة أن يقارب مفهوم الذوق في العمل الأدبي، والتعمق مع خصائصه، ومقوماته، كما استعرض دلالاته عند مجموعة من النقاد القدامى، بغرض الكشف بعمق عن أسراره، وخصائصه ، ومقوماته ،ولم يكتف الباحث بالعرض فحسب،بل إنه يقدم للقارئ رؤى نافذة، ويبدي وجهة نظره في المواضيع المطروحة بين الحين والآخر ،وقد أشار في مقدمته إلى أن الذوق صار جزءاً من التفاعل الإيجابي مع النصوص والإبداعات القديمة منها والحديثة،في الجامعات والمدارس، وهو وسيلة لإدراك عناصر الجمال أو القبح فيها، وما تحويه من إمكانات في التعبير متعددة، ولذلك فقد التفت القدماء قبل المحدثين إلى هذا الشرط الأساس في التفاعل مع الإنتاج الأدبي،وقد أفردوا له دراسات متعددة، واعتبروه مما يجب توافر ولو حد أدنى منه لمن أراد الكتابة والإبداع،فضلاً عمن أراد النقد والتمحيص،أو التصحيح والاستدراك،ولذلك فقد لقي اهتماماً كبيراً من القدماء وقد أولوه عناية خاصة، وأظهروا دوره في نقد الكلام، وتمييز جيده من رديئه، وقالوا فيه كلاماً كثيراً ،بل وقعَّدوا له ووضعوا شروطاً لابد منها للحكم على العمل الأدبي اعتماداً عليه،كما أظهروا دوره في نقد الأدب وتمييز جيده من رديئه، ومن بين النقاد الذي عنوا بمفهوم الذوق عبد القاهر الجرجاني . وقد تحدث الباحث في العنصر الأول من بحثه، والموسوم ب:«تحديد مفاهيمي لابد منه»،عن معنى الذوق والمقصود به،وشرحه بمعنى ذُقتُ فُلاناً وذُقتُ ما عنده بمعنى خبرته، وكذلك ما نزل بالإنسان من مكروه فقد ذاقه، وأمر مستذاق أي مُجرب معلوم،وقد كثر استعمال المصطلح حتى أضحى عبارة عن كل تجربة،كما صار مقروناً بالطبع،وقد تعرض ابن خلدون لتفسير كلمة الذوق فقال في مقدمته:«وهذه الملكة،الذوق،إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية التي استنبطها أهل صناعة البيان».كما عرض الباحث مختلف المفاهيم التي أدلى بها أصحابها عن الذوق،فعرض رؤية الناقد الأستاذ مصطفى أبو كريشة،وضياء الدين ابن الأثير الذي رأى أن معيار الفصاحة هو الذوق السليم،بينما أكد السكاكي على ضرورة تحكيم الذوق في الحكم على العمل الأدبي من خلال الربط بينه وبين المعايير البلاغية، وقد رأى الباحث أن السكاكي لم يعرّف الذوق تعريفاً دقيقاً، لكنه سماه:«سلامة الفطرة واستقامة الطبيعة، وشدة ذكاء وصفاء قريحة، وعقل وافر». وقد كانت عناية السكاكي بالقاعدة أداة فنية لقياس العمل الفني عناية متقدمة، ولكنها لم تكن المقياس الوحيد لديه،إذ كشف عن أهمية الذوق في إدراك أسرار الجمال الفني في التراكيب والنصوص وتقدير وجه الإعجاز والجمال في التركيب القرآني،ذلك أن إدراك الإعجاز في نظره مسألة لا تتصل بالصحة والخطأ الذي يمكن تفتى بأمره القاعدة المقررة، وإنما تتعلق بأمور بعد ذلك مما له علاقة بالإحساس والشعور، وقد قسم الباحث الذوق إلى قسمين: الذوق الخاص: وهو الملكة أو القدرة النقدية الناتجة عن الاستعداد الفطري،أو هو ذلك الاتجاه الذي يعتمد على ميول الإنسان الفردية في حكمه على العمل الفني. والنوع الثاني هو الذوق العام،الذي هو مجموع تجارب الإنسان، وطول ممارسته وعمق خبرته، وحصيلة تكوينه الفكري التي يفسر بها العمل الفني ويميزه، ويحكم عليه من خلال حسه وإدراكه السليمين. وقد خلص الباحث في الأخير إلى أننا في حاجة ماسة إلى تربية أذواقنا لتحقيق التفاعل الإيجابي، والفعال مع كل ما نقرأ،ومثلما رأى الدكتور أحمد الشايب« فالذوق السليم يتكون بالقراءة والدرس، ويكتسب شيئاً من اللين والمرونة وقول الجديد،لأن الذوق خلق من الأخلاق القابلة للتهذيب والتنقيح بالقراءة والفهم والدرس بحيث يكون ذوقاً مبنياً على التجربة مما قرأ الإنسان، وفهم من العلوم والفنون،فالذوق الصحيح ينضج ويتربى بالنقد، والنقد يتهذب بالذوق لأنه معين ومساعد على الفهم». وتوصل الباحث إلى أن ما ذهبت إليه الدراسات الحديثة بشأن تربية ملكة الذوق هو نفسه ما أشار إليه جملة من النقاد القدامى كابن الأثير، والجرجاني، والسكاكي، وابن خلدون، وغيرهم، والقاسم المشترك بين تعريفات الذوق التي قُدمت هو أنه ملكة تجمع بين القدرة على التأليف الأدبي، والقدرة على نقد الأدب ومعرفة الجيد والرديء منه، وهو ملكة لا تنبت من عدم ، وقد كانت أمراً وجدانياً كما أجمع على ذلك غالب النقاد،فإنها تحصل بممارسة كلام العرب ، وتكرره على السمع والتفطن لتراكيبه ،والأدب لا يصدر عن فراغ وإنما عن ذوق خاص يستشعر الجمال الفني قبل أن يخوض في بيانه والكشف عنه،ويرى الدكتور الخالدي أن الضعف الذي أصبحنا نلمسه في مجالات عدة في عصرنا هذا،في جامعاتنا ومدارسنا، وخاصة ما تعلق منه بالتعامل مع النصوص النقدية القديمة والحديثة،إنما مرده إلى عدم التوافر على حاسة ذائقة، وهذا التذوق لا يتحقق إلا بجملة شروط،منها الإعداد الفطري والوجداني لتقبل العمل الأدبي والتفاعل معه، وتحقيق حد أدنى من العلم بقواعد اللغة خاصة وغيرها من العلوم الأخرى.
وفي مجال دراسة النصوص ونشرها نجد دراسة للباحث العراقي المتميز الدكتور عباس هاني الجراخ من جامعة بابل بالعراق، عن:«جعفر بن عُلْبَة الحارثي:حياتُهُ وما تبقَّى من شعره-جمع وتحقيق ودراسة-»،فقد قدم دراسة معمقة، جمع فيها من مختلف المظان كل ما يتعلق بحياة وشعر جعفر بن عُلبة بن ربيعة الحارثي، والذي لم يعرف عن أسرته إلا القليل،حيث اكتنف حياته غموض شديد،وقد برز إلى الأحداث بصفته فارساً يُدافع عن قبيلته(الحارث بن كعب)المنسوب إليها،وقد تباينت الأخبار بشأنه، واختلفت الروايات في سبب مقتله، وكيفية ذلك، فهذا أبو الفرج الأصفهاني(ت:356هـ)،يذكر ثلاث روايات بخصوص هذا الأمر،الأولى:لأبي عمرو الشيباني(ت:205هـ)،والثانية لابن الكلبيّ(ت206هـ)،والثالثة للنضر بن حديد.وبخصوص العصر الذي عاش فيه الشاعر يرى الباحث بأنه من العصر العباسي، وقد عاصر الوالي السري عبد الله الهاشمي. وبخصوص شعره فقد رأى الدكتور عباس هاني الجراخ أن المكان يحتل أهمية خاصة عند الشاعر،فهو بمثابة كيان واقعي عاشه،فنراه يذكر:قرى،وسحبل، ونجد، ومكة المكرمة، وخدوراء،وقد تجسد الموت في شعره مقترناً بصورة الحرب، وإدراكه لحتمية الموت دفعه للجرأة عليه، وعدم الخوف منه،وعلاقته بالدهر هي علاقة الأقوى بالأضعف،فهو يضيف اليوم لنفسه كي يكتسب شيئاً من خصوصيته،وأما لغة الشاعر فقد أشار الباحث إلى أنه يستخدم المقابلة الضدية مع أعدائه،كما يستخدم الكناية كثيراً، وتتردد في شعره ألفاظ السجن، وما يتعلق به،كما تتردد الألفاظ المدوية ذات الإيقاع الحربي،وقد اهتم اللغويون والشراح بشعره،فاستشهدوا به، وشرحوا ما رأوا أنه يناسب مصنفاتهم،ومن اللغويين الذين اهتموا بشعره:ابن جني(ت392هـ)،والعكبري(ت616هـ)،والهَجَرِيّ(ت نحو 300هـ)، والأعلم الشنتمري(ت476هـ).
وقدم وحقق الأستاذ الدكتور رشيد بن علي الحمداوي من مراكش بالمغرب الأقصى، وثيقة هامة،تضمنت:«جواب العلاّمة أبي حفص الفاسي عن مسألتين في أسماء السور»،فقد أشار الباحث في البدء إلى أن العلاّمة« أبي حفص عمر بن عبد الله الفاسي» يعد خاتمة المحققين بالديار المغربية،ومن أهم مؤلفاته كتاب:«إسعاف المسائل بجمع الأجوبة والرسائل»،فهو يعد ذخيرة ثمينة في العلوم الشرعية معقولها ومنقولها،تجلو لنا معالم شخصية مؤلفها فقيهاً أصولياً متكلماً مشاركاً مشاركة مرموقة في اللغة والحديث والتفسير،ولذلك فقد ارتأى الباحث تحقيق بعض رسائله، وأجوبته،ومن مؤلفات العلاّمة أبي حفص الفاسي كتاب:«إحراز الفضل بتحرير مسائل القول الفصل»،وكتاب:«بغية الأريب في بعض مسائل مغني اللبيب»،وكتاب:«تحرير النظر في مسائل المختصر»،و«تحفة الحذاق في شرح لامية الزّقّات»،وكتاب«طلائع البشرى فيما يتعلق بشرح العقيدة الكبرى»، وكتاب«غاية الإحكام في شرح تحفة الحكام». وقد عرَّف الدكتور الحمداوي بالسائل الذي وجه سؤاله إلى أبي حفص، وهو العلاّمة النحوي التصريفي الجليل أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الفاسي الفهري(1130-1214هـ)،وقد درس في فاس،ثم رحل عنها نظراً لوفاة والده،وقد أحكم القراءات السبع على طريقة الجمع،واتصف برسوخ الملكة في كثير من الفنون،كالنحو، والتصريف، واللغة، والعروض، والحساب، والفرائض،مع الحفظ والضبط والتبحر في الحديث والسير والتواريخ، وقد ألف عدة تآليف معظمها في القراءات وعلوم العربية،وعن صلته بأبي حفص يشير الباحث إلى أنه كانت تجمع بينهما القرابة،فهما معاً من الأسرة الفاسية الفهرية،ويلتقيان في جدهما الأعلى العربي بن أبي المحاسن الفهري،كما أن صلته العلمية بأبي حفص كانت وطيدة،وقد درس عليه العربية في أول مراحل الطلب،وقد كان مجلسه أول مجلس حضره لتعلم العربية،وعرّف الباحث بمصدر الجواب وهو كتاب إسعاف السائل،وقد تضمن السؤال خمس رسائل لأبي حفص،هي: إزاحة الإشكال عن إباحة السؤال، وإجادة التأليف لبيان متعلق التكليف،ومنة الوهاب في نصرة الشهاب،والتماس الرشد في مجاوبة ابن رشد.وقد تعرض الباحث لمنهجه في تحقيق المخطوط،وعدد النسخ ،فقد وجد ضمن نسختين من كتاب:«إسعاف السائل».
وفي البحث الأخير،يتساءل الأستاذ الدكتور عبد الرزاق حويزي من كفر الزيات بمصر،عن مصنف المخطوط النفيس الموسوم ب:«كتاب المحاضرات والمختارات»، فيعرض علينا في البدء قصته من خلال تنقيبه بين الفهارس الآلية والرقمية بدار الكتب المصرية،فقد وجد هذا المخطوط في دار الكتب المصرية،دون ذكر لاسم مؤلفه،و لا تاريخ تأليفه، ولا نوعية مادته الأدبية والعلمية،وقد وصف الباحث ذلك المخطوط بعد الإطلاع عليه بأنه:«أثر نفيس،عبثت به أنامل الإهمال،فمزقته شر ممزق،وعاثت فساداً في أرجائه،حتى أصبح في حالة يُرثى لها،حالة تستدعي الإشفاق على هذا المخطوط، ومحاولة إنقاذه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذُهُ من تراثنا العريق». ويرى الباحث أن العنوان يبدو أنه من وضع أحد المفهرسين في دار الكتب المصرية، والدليل على ذلك إضافتهم للفظة كتاب،وعدد أوراق المخطوط213 ورقة في كلَّ ورقة صفحتان، وفي كل صفحة16 سطراً، وتاريخ نسخه، وناسخه،غير معلومين، ويرى الباحث بأنه قد نُسخ علي يدَّ أحدِ النُّساخ في العُصور المتأخرة، وقد نُسخ بخط جميل مشكول،وقد سعى الباحث من خلال هذا البحث إلى معرفة مؤلفه المجهول، وقد احتوى على اثني عشر باباً،ويبدأ المخطوط بداية مبتورة،بشرح لبعض الأبيات،وقد أدرك الدكتور حويزي أن هذا المخطوط يعد أثراً نفيساً لما ضم بين دفتيه من مادة علمية،يعزُّ الوقوف عليها في المصادر المطبوعة، وهذا ما يلمسه القارئ منذ الوهلة الأولى، حيث ضم قصيدة لامية لابن ظهير الإربلي،قوامها51بيتاً لم ترو المصادر المطبوعة منها إلا خمسة عشر بيتاً فقط، ولم يقتصر الأمر على تفرد المخطوط بكثير من أبيات هذه القصيدة،بل يقف القارئ فيه على أشعار كثيرة أخرى أخلت بها بعض الدواوين المطبوعة،كديوان«ابن الحلاوي الموصلي»،الذي وردت فيه الكثير من القصائد المغمورة لهذا الشاعر الفذ،كما أن المخطوط أتى على سرد تراجم لبعض الشعراء المجهولين كالبواريحي وغيره،ولم تقتصر أهمية المخطوط على هذا فحسب،بل تتبدى أهميته كذلك من جانب آخر،يكمن في تنوع مادته، واشتماله على موضوعات متباينة في أبواب ذات اتجاهات متعددة،فيشعر المطالع فيه وكأنه ينتقل من بستان إلى بستان،كما يحتوي المخطوط على باب تحدث فيه مصنفه عمَّا قيل في فصول السنة، وما يتصل بها من ثمار وفواكه،وقد ألقى هذا المخطوط الضوء على هوية مصنفه، وشيوخه، وعصره، ولكن اسمه غير معروف، والسؤال الذي استلب اهتمام الباحث هو من مصنف هذا المخطوط؟ فقد طرح المؤلف على نفسه هذا السؤال ردحاً من الزمن،وبعد أن نهض الباحث بتدوين أشعار المؤلف، وكل ما يتصل بالإفصاح عن هويته،أو عصره،بعد فحص مادته العلمية،انتهى بعد البحث عن الفترة الزمنية إلى أنه قد تم تأليفه بين القرنين السابع والثامن للهجرة،حيث إن المؤلف يذكر أشخاصاً،جمعته صداقة بينهم،اتضح أنهم ينتمون إلى القرن السابع، من بينهم عز الدين الإربلي، وقد أورد له قصيدة في مدح خواجة علاء الدين صاحب الديوان، وكان صاحب الديوان هذا حياً عام:660هـ،معنى هذا أن المؤلف قد عاش في هذه الفترة،ويرجح ذلك إشارته إلى بعض مشايخه كابن الظهير الإربلي المتوفى سنة:677هـ، وابن أنجب الساعي المؤرخ المتوفى سنة:674هـ، وابن المستوفي الإربلي المتوفى عام:637هـ،وبالنسبة لموطن المصنف،فقد اتضح للباحث أنه يردد أسماء طائفة من الأدباء والعلماء ووُجهاء القوم الذين عاشوا في الشمال الشرقي من العراق، وبالتحديد في مدينة«إربل»،من بينهم بهاء الدين المنشئ الإربلي، والعز الإربلي، وقد اتضح للدكتور عبد الرزاق حويزي بعد عثوره على بيتين لصاحب المخطوط، نسبهما العسقلاني إلى عالم من علماء« إربل » في القرنين السابع والثامن الهجريين،وهو كما ترجم له ابن حجر العسقلاني« عبد الرحمن ابن إبراهيم بن قنيتو بدر الدين الإربلي الأديب أبو محمد كان مشهوراً بالبلاغة وحُسن النظم،مدح الملوك، وتعانى التجارة، ومات سنة:717هـ،وله سبع وسبعون سنة»، وهو مؤلف هذا المخطوط، وقد اتضح للباحث أن لهذا العالم باعاً لا ينكر في ميدان التصنيف، وأن الإهمال قد التهم بعض مؤلفاته، ويشهد على ذلك كتابه المنشور مرتين، والموسوم ب:«خلاصة الذهب المسبوك»، وهو كتاب هام في التاريخ، وقد كان شاعراً مُجيداً،وقد أشار الدكتور عبد الرزاق حويزي إلى أنه قد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن مصنف هذا المخطوط هو« ابن قنيتو الإربلي»،المتوفى سنة:717هـ.
أ.محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة-عنابة-

دنيا الوطن - ‏05/07/2010‏
منازعة مع اقتباس
  #2  
قديم 31-07-2010, 06:19 AM
السائر على الخطى السائر على الخطى غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Jul 2010
التخصص : لا شيء بعينه
النوع : ذكر
المشاركات: 15
شكرَ لغيره: 0
شُكِرَ له 5 مرة في 5 حديث
افتراضي

قراءة موفقة
منازعة مع اقتباس
منازعة


الذين يستمعون إلى الحديث الآن : 1 ( الجلساء 0 والعابرون 1)
 
أدوات الحديث
طرائق الاستماع إلى الحديث

تعليمات المشاركة
لا يمكنك ابتداء أحاديث جديدة
لا يمكنك المنازعة على الأحاديث
لا يمكنك إرفاق ملفات
لا يمكنك إصلاح مشاركاتك

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة

التحوّل إلى

الأحاديث المشابهة
الحديث مرسل الحديث الملتقى مشاركات آخر مشاركة
خبر : صدور العدد ( 78 ) من مجلة مجمع اللغة العربية الأردني رائد أخبار الكتب وطبعاتها 2 17-12-2010 07:32 AM
هل تحتضن وزارة الثقافة والإعلام مشروع “المجمع اللغوي”؟ - أسامة السباعي ( مقال ) رائد حلقة قضايا العربية ومشكلاتها 0 06-07-2009 03:59 PM
صدر حديثا : العدد ( 76 ) من مجلة مجمع اللغة العربية الأردني رائد أخبار الكتب وطبعاتها 0 06-07-2009 03:48 PM
صدور العدد 75 من مجلة مجمع اللغة العربية الأردني رائد أخبار الكتب وطبعاتها 0 09-02-2009 03:46 PM
طلب : مقال نشر في مجلة باسل الأسد أبو عبد الله أخبار الكتب وطبعاتها 0 10-07-2008 03:53 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة . الساعة الآن 11:11 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
الحقوقُ محفوظةٌ لملتقَى أهلِ اللُّغَةِ