عرض مشاركة واحدة
  #41  
قديم 06-10-2011, 03:06 PM
فيصل المنصور فيصل المنصور غير شاهد حالياً
مؤسس الملتقى
 
تاريخ الانضمام: May 2008
التخصص : علوم العربية
النوع : ذكر
المشاركات: 719
افتراضي

كنتُ هممتُ أن أردَّ على هذا الاعتراضِ، ثم رأيتُ إسقاطَه، لأنَّ مَن نظَر في العلُوم نظَرَ تحرٍّ، وتثبُّتٍ، والتمسَ معرفة الحقائقِ بقلبٍ سليمٍ، مبرَّأ من دواعي الهوَى، ونوازِع التقليدِ، لم يكُن هذا الاعتراضُ عندَه بشيءٍ.
وقد رأينَا كثيرًا من أهلِ النِّحل الباطلةِ، والآراء الفاسِدةِ اعترضُوا على ما جاءَهم من الحقِّ بمثلِ اعترضتَ به، وجعلُوه حجَّةً على صِحَّة مسلكِهم، وسلامةِ طريقتِهم، فقالَ بعضُهم في ما ذكرَ الله تعالَى عنهم: إنا وجدنا آباءَنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، وقالوا: حسبُنا ما وجدنا عليه آباءَنا. وهل هذا إلا كقولِ مَن يقول: حسبُنا ما وجدنا عليه نحاتَنا؟
وإنما غفَلَ النُّحاة بعد ابن مالكٍ عن الكشفِ عن هذه الحقيقةِ لأنَّ أكثرَهم كانَ مقلِّدًا متَّبِعًا، غايتُه أن يشرحَ كتابًا، أو يحشِّيَ على شرحٍ، أو يصنعَ متنًا، أو يفسِّر منظومةً، ولم يكونوا من من ينشَطون للاجتهادِ، والتحقيقِ، والنقدِ، والتدقيقِ. وآية ذلكَ أنهم لم يَخرجُوا خلالَ أكثرَ من سبعة قرونٍ عن شيءٍ من ما قرَّرَه من قبلَهم من النُّحاةِ حتَّى في ترتيب الأبوابِ. وهذا ليس انتقاصًا لهم، ولا حطًّا من قدرِهم، وإنما هو أمرٌ لا بُدَّ من بيانِه لتتبيَّنَ العِلَّةُ.
ولو كانَت هذه الأبياتُ التي وضعَها ابن مالكٍ في العصر الأوَّلِ عصرِ خلفٍ، وسيبويه، وأبي عبيدة، وأبي زيد، والأصمعيِّ، وابن سلام، والأزهريِّ، لما خفِيَ أمرُها عليهِم، لأنهم كانُوا أهلَ نقدٍ، واجتهادٍ، وكانُوا من البصَر بالشِّعرِ بحيثُ لا يذهبُ عليهم علمُ ذلك، حتَّى اتَّهمَ بعضُهم بعضًا بالوضعِ، والتزيُّد. وذلك لشِدَّة احتراسِهم، ووفور يقظتِهم، فاتهموا حمادًا، وخلَفًا، وابن الكلبيِّ، وقطربًا، واللحيانيَّ، وابن دريد، وأبا عمرَ الزاهِدَ، وأبا الفرج الأصفهانيَّ، وغيرَهم. وإن كانَ أكثرُ ذلك من ما لا يصِحُّ بحالٍ.
هذا، ولم نجِد الله تعالَى أوجبَ علينا اتِّباعَ أحدٍ من النُّحاةِ، ولا قصَرَ العِلْمَ عليهم، أو حكمَ لهم بالعِصمةِ من الخطأ، والسلامة من الغفلة، ولم يجعلِ اجتماعهم على أمرٍ ما في عصرٍ من العُصور حُجَّة على مَن بعدهم، ولا وجدنا العقلَ الصحيحَ يقضي بهذا.
فإذا كانَت هذه الحجةُ التي ذكرتَها غيرَ قطعيَّة الدلالةِ، وكانَ جائِزًا أن يكونَ قد فاتَهم هذا الصوابُ من الرأي، فليس لك بعدُ إلا أن تصرِف النظرَ إلَى الدليلِ، وأن تمتحِن ما أدليتُ به إليكَ من البرهانِ، فإن وجدتَّ ما ذكرتُه حقًّا، لزِمَك أن تصِير إليه، وإن وجدتَّني تعرَّضت فيه [هو من قولِهم: تعرَّض فلانٌ في الجبَل: إذا أخذَ فيه يمينًا وشِمالاً]، ولم أهتدِ، فبيِّن لي موضعَ ذلك، ودُلَّني عليه.
وذكرتَ أني وصفتُ أبا حيانَ بسعةِ الاطلاع. ونعم، كان أبو حيَّان من سعةِ الاطِّلاع بالمنزل الأسنَى، والمحلِّ الأعلَى، ولكنِّي لم أذكر أنه كانَ بصِيرًا بالشِّعر، ناقِدًا للرِّواية، شديدَ التنقير، بعيدَ التدقيقِ. وقد يكونُ الرجلُ واسِع الاطلاع، غزير الحفظ، وتكونُ ملكتُه في الفَهْم، والنقدِ دونَ ذلك. وعلَى أنَّه لو كانَ بحيثُ ظننتَ، فإنَّه قد يُحجَب عنه الكثيرُ من الصَّوابِ. ولولا ذلكَ، لما بقِيَ للمتأخِّر شيءٌ من العِلْم يبيِّنُه، أو خطأ يصحِّحُه، أو فِكرَة يقتضُّها، أو مشكِلٌ يكشِف عنه، ولكانَ غايةُ عمَلِه أن يحفَظَ كلامَ المتقدِّم، ثمَّ يؤديَه كما حفظَه. وهذا جَورٌ، وخطَلٌ، فكم تركَ الأوَّل للآخِر. ورحمَ الله أبا عثمانَ إذ يقول في (رسائله):
(وقد قالوا: ليس من مَّا يستعمِل الناسُ كلمةٌ أضرَّ بالعلم، والعلماء، ولا أضرَّ بالخاصّة، والعامّة من قولهم: «ما ترك الأوّل للآخر شيئًا». ولو استعمل النّاس معنى هذا الكلام، فتركوا جميع التكلّف، ولم يتعاطوا إلّا مقدارَ ما كان في أيديهم، لفقدوا علمًا جمًّا، ومرافقَ لا تحصى، ولكن أبى الله إلا أن يقسِم نعمَه بين طبقات جميع عباده قسمةَ عدلٍ، يعطى كلّ قرن، وكلّ أمّة حصّتها، ونصيبها على تمام مراشد الدّين، وكمال مصالح الدنيا).
وإذا سلَّمتَ أن هناكَ شواهِد وضعَها ابنُ مالكٍ، سواءٌ أكانت خمسين شاهِدًا، أم مئةً، أم مئتينِ، أم أكثرَ، فقد سلمتَ بهذه القضيَّة، وأقررتَ بأصلِها. ولا بأسَ بعد ذلك أن نختلِفَ في عِدَّة الأبياتِ التي وضعَها، وإنْ كنتُ أرَى أنها لا تقِلُّ عن ستِّ مئةِ بيتٍ.
__________________
(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)
منازعة مع اقتباس