عرض مشاركة واحدة
  #25  
قديم 07-01-2011, 03:09 AM
غمام غمام غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Sep 2009
التخصص : لغة عربية
النوع : أنثى
المشاركات: 140
افتراضي

(22)

قال الخطيب القزويني: " وأدلة الحذف كثيرة... منها أن يدل العقل على الحذف والتعيين، كقوله : وجاءَ ربُّكَ [ الفجر: 22 ] أي: أمر ربك، أو عذابه، أو بأسه، وقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أَن يأتيَهُمُ الله في ظُلَلٍ منْ الغَمَامِ [ البقرة: 210 ] أي عذاب الله، أو أمره" [1].
التعليق:
هذا من المواضع التي قرر فيها المؤلف مذهب الأشاعرة النفاة، الذين ينفون عن الله كثيراً من صفات الكمال التي أثبتها لنفسه، خشية ما يتوهمونه من تشبيهه سبحانه بخلقه، زاعمين دلالة العقل على ذلك، ومن ذلك نفيهم لحقيقة المجيء والإتيان، وتأويلهم ما جاء في القرآن بنحو ما ذكره المؤلف من التأويلات التي أخرجوا بها الكلام عن ظاهره بغير دليل من عقل ولا سمع. لذا كانت هذه التأويلات من تحريف الكلم عن مواضعه.
فما المانع – وهو الفعال لما يريد – من أنه نفسه سبحانه يجيء حقيقة، كما أخبر بذلك في كتابه وأخبر به نبيه وأجمع عليه السلف، قال : هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن تأتِيَهُمُ الملائكةُ أو يأتـِيَ ربُّكَ أو يأتـِيَ بَعْضُ آياتِ ربِّكَ [ الأنعام : 158 ] والآيتان اللتان ذكرهما المؤلف، وقال أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أنه يجيء يوم القيامة والملك صفاً، لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها" [2]. فالواجب الإيمان بذلك على ظاهره، كما قال الأئمة مالك وغيره - في الاستواء: "الإيمان به واجب " [3].
وما زعمه الأشاعرة وغيرهم من دلالة العقل على نفي ما نفوا من الصفات لا يُسلَّم لهم، فإن العقل الصريح لايخالف النقل الصحيح، ويلزمهم نفي جميع الصفات، فإن شبهتهم من جنس شبهة الجهمية النافين لجميع الصفات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "أصل قول الجهمية هو نفي الصفات بما يزعمونه من دعوى العقليات التي عارضوا بها النصوص" [4] .
ويعجبني هنا كلمة للعلامة ابن خلدون يخاطب بها من أعجبوا بعقولهم فطفقوا يعملونها في كل شأن حتى فيما لا قبل لها به، فيقول : "العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن بها أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن بها الجبال وهذا لا يدرك، على أن الميزان في أحكامه غير صادق لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه، وتفطن في هذا الغلط، ومن يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلال رأيه" [5].

ـــــــــــــــ
[1] الإيضاح ( 299 ) " مبحث الإيجاز " .
[2] رسالة إلى أهل الثغر ( 227 ) .
[3] رواه البيهقي في الأسماء والصفات ( 2/ 305 ) عن مالك، وإسناده صحيح، كما رواه البيهقي ( 2/ 306 ) عن ربيعة بن عبد الرحمن، وإسناده صحيح أيضاً، وساقه الذهبي في كتابه العلو ( 2/ 954 ) وقال عقبة: " هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة" وانظر: فتح الباري ( 13 / 417 ) .
[4] درء تعارض العقل والنقل ( 1/ 277 ) .
[5] مقدمة ابن خلدون ( 2/ 460 ) .
منازعة مع اقتباس