عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 15-04-2016, 06:58 AM
صالح العَمْري صالح العَمْري غير شاهد حالياً
 
تاريخ الانضمام: Oct 2010
السُّكنى في: المدينة النبوية
التخصص : هندسة ميكانيكية
النوع : ذكر
المشاركات: 1,667
افتراضي

اقتباس:
نكبٌ: متحرفين متهيئين للطعن
هذه نفثات أحببتُ إيرادها:
وأما قول الإمام الكبير القتبي: "نُكبٌ: متحرّفين متهيّئين للطعن" فلم يُسدَّد فيه، ولا شك أن مادة نكب تدور معظم معانيها حول الميل والانحراف، ولكن التفسير بما فسّر به غير صحيح، وقد أذهب أحلى ما في البيت وألذَّه وأجمله، وإذا أردتَّ بينة بطلانه فانظر ماذا قال الشاعر قبلها، ألم يقل: "كأنّنا"، فهذا تشبيه، فهل يقول الشاعر: كأننا متحرفون متهيئون للطعن؟! لا يقوله، لأنهم متحرفون متهيئون للطعن حقيقة لا تشبيها، والدليل أنهم متهيئون للطعن حقيقة قوله في أول البيت: "مصابين خرصانَ الوشيج"، فقد أمال القوم رماحهم وتهيئوا حقيقة ولا معنى للتشبيه هنا.
والمعنى وراء ذلك، وهو معنى جميل بديع، فإن لم يكن لك خيال جيّد لم تفهمه إلا بصورة فوتوغرافية، وإن كنت ذا خيال وفطنة مؤاتية تبيّن لك المراد بالوصف.
فأقول: النُّكب جمع أنكب، والأنكب هو المائل في أحد شِقّيه، فهذه صفة عيب خَلقي كالأعور والأعرج، ومعنى كونه مائلا في أحد شِقّيه أن أحد منكبيه يكون مرتفعا والآخر منخفضا، فيكون أحد كتفيه أعلى من الآخر.
فإذا عرفتَ هذا ثم تأملتَ البيت رأيتَ ما فيه من جمال بديع ورأيتَ كيف أفسد البيتَ تفسيرُ الإمام الجهبذ الكبير ابن قتيبة وغفر له، وعلى هذا يصحّ التشبيه كما أراد الجَعدي، فإن القوم ليسوا نُكبًا حقيقة وإنما أشبهوا النُّكب، أشبهوا النكب في ماذا؟ أشبهوهم في ميل كل واحد منهم في أحد شقيه حتى يصير منكبٌ أعلى من منكب، ولماذا مال الرجل منهم في شِقّه؟ مال الرجل منهم لأنه قد أمال رمحه وتهيأ للطعن به، فأغمض عينيك لحظات وتخيل أن في يدك رمحًا وأنك قد تهيأت للطعن به وتخيل صورتك حينئذ تمام التخيل، أليس يكون حينئذ أحد منكبيك أعلى من الآخر، فإذا تخيّلتَ ذلك تخيُّلًا صحيحًا علمتَ لماذا يصحّ حينئذ تشبيهك بالأنكب، ولماذا شبه الجعدي القوم بالنُّكْب.
ويجيء من معاني الأنكب الذي لا قوس معه، وهذا لو تُصوّر في البيت لم يكن ممتنعًا وله حظٌّ من جمال، لكنه ليس بالوجه القوي، فكأنه يقول: نتهيأ لأعدائنا بالرماح لنطاعنهم كأننا نُكب لا قسيَّ لنا، أي ندع قسيّنا كأننا لسنا ذوي قسيّ ونداعسهم بالرماح وندنو إليهم ولا نراميهم من بعيد بالسهام، ووجه الافتخار فيه أن المطاعنة بالرماح والدنوّ من الأعداء أدلُّ على الشجاعة من مراماة الأعداء بالسهام من بعيد.
وليس هذا التشبيه -على الوجه الأول الذي ذكرناه في معنى الأنكب- مما انفرد به هذا البيت، بل له نظائر في شعر العرب، لكن أين الذي يبصر جمال تشبيهاتهم ويعقل حقائقها؟!
فمن ذلك بيت مشهور وهو في الحماسة لعبد الله بن الزَّبِير الأسَدي يقوله في مدح محمد بن مروان عمّ عبد الملك بن مروان وذمّ أخيه عبد العزيز بن مروان والد عمر بن عبد العزيز ، قال ابن الزَّبِير:
لا تجعلنّ مثدَّنا ذا سُرَّة ضخما سرادقه وطيء المركبِ
كأغرَّ يتخذ السيوف سرادقا يمشي برايته كمشي الأنكبِ
فشبّه مشية محمد بن مروان وهو يمشي برايته بمشية الأنكب، وقد عرفتَ الأنكب، وهو هنا المائل في أحد شِقّيه ولا يجوز أن يُراد به الذي لا قوس معه، فتخيّل الآن أيضا رجلًا يحمل راية ثقيلة وقد ألصقها بجسمه وجعلها في أحد شِقّيه أليس يميل ذلك الشِقّ، وإنما يلصقها بجسمه ولا يحملها بين يديه بعيدًا عن جسمه أمامه لثقلها فلا تقوى يداه على حملها طويلا في تلك الصفة، فإذا أراد أن يدنيها لتتقوّى يداه بعضلات الجسم الأخرى لزمه أن يحارفها يمينا أو يسارا ولا يستطيع أن يُلصقها بوجهه وهو يمشي، فيجعلها في شِقّ ويميل كما ذكرنا، فتكون مشيته كمشية الأنكب.
ومن أجمل ما قيل في ذلك وأبدعه وأدلّه على أن هؤلاء الشعراء العرب الأقحاح كانوا عظيمي العقول والخيال شديدي الملاحظة واللمح قول الحماسيّ أيضا:
فهلّا أعدّوني لمثلي تفاقدوا إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكبُ
يقول: هلّا أعدّني قومي لأعدائهم إذا كان العدوّ بهذه الصفة، والأبزى هو الذي قد خرج صدره واستأخر عَجُزه، وقد يكون ذلك خلقة وقد يكون تبازيًا، ولم يُرد الشاعر إلا التبازي، وإنما يفعل الإنسان ذلك يقدّم صدره ويؤخر عجزه كبرًا ونخوة وتيهًا، ولا تكاد ترى خصمين يلتقيان ليصطرعان إلا رأيتهما يتبازيان، فهذه الصفة الأولى للخصم أنه أبزى وإنما أراد كما ذكرنا تصنُّع ذلك لا أنه أبزى خلقة، والثانية أنه مائل الرأس، ولم يُرد بهذا أيضا من يكون رأسه مائلا خلقة، وإنما أراد ما يتكلّفه الخصم من فعل ذلك إذا لقي خصمه أمال رأسه في ناحية وصعّر خدّه، والثالثة أنه أنكب، وهو الذي أحد منكبيه أوفى من الآخر، ولم نزل مذ كنّا نرى هذا كثيرًا جدًّا إذا تواجه الخصمان يُميل الواحد منهما منكبيه حتى يكون أحدهما أوفى من الآخر تيها وكبرًا، فيصير بذلك كالأنكب وليس هو أنكب خلقة، وكل هذا محتاج إلى تخيّل وتصوّر.
فهذا الخصم الموصوف جمع هذه الأحوال الثالثة فهو في منتهى الكِبْر والخيلاء، والشاعر يحثّ قومه أن يجعلوه عُدّة للقاء مثل هذا العرّيض الغاشم.
وقد أجاد الإمام المرزوقي حيث قال في شرحه: "يقول: هلا جعلوني عدة لرجلٍ مثلي -فقد بعضهم بعضًا- وقد جاءهم الخصم متأخر العجز مائل الرأس منحرفًا. وهذا تصويرٌ لحال المقاتل إذا انتصب في وجه مقصوده، وهو أبلغ في الوصف من كل تشبيه".
وقد أصاب المرزوقي في الصفة الأولى وهي قوله: مـتأخر العجز، لكنها نصف إصابة، لأنه ترك الصدر، والصدر في هذا أهم من العَجُز، وأصاب في الثانية، وأراه أخطأ في الثالثة الخطأ عينَه الذي أخطأ فيه الإمام القتبي، فإنه نظر إلى معنى الميل والانحراف، وهذه كلمة عامة لا يصلح التعبير بها هنا، بل الأنكب الذي أحد منكبيه أعلى من الآخر حتى يصير مائلًا في أحد شِقِّيه كما شرحنا.
ففي بيت الجعدي أشبه المتهيئ بالرمح الأنكبَ لأنه لا يستطيع أن يطعن بالرمح كما يريد حتى يميل أحد منكبيه، فهو فعل ذلك لمعالجة الرمح في الطعن، لا لثقل الرمح ولا للكبر والخيلاء.
والذي في بيت ابن الزَّبير أشبه الأنكبَ لثقل ما يحمله، وليس هذا كالسبب في بيت الجعدي ولا هو خيلاء كما في البيت الأخير.
والذي في البيت الأخير أشبه الأنكب بتكلّفه هو أن يكون كذلك لا لمعالجة طعن برمح ولا لثقل شيء يحمله.
فهذه ثلاثة مواضع شُبّه فيها بالأنكب في صور وأحوال مختلفة.
ولعلك لا تجد بيان هذه الأشياء في كتاب موجود لو تأملت.
والله أعلم.
منازعة مع اقتباس